حرّيات وانتخابات ومرحلة انتقالية

16 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:43 (توقيت القدس)
انتخابات مجلس الشعب
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أكد الرئيس السوري على أهمية حرية الإعلام والتعددية السياسية، مشددًا على تقليل الضوابط القانونية والسياسية لتعزيز الديمقراطية والمشاركة الشعبية.
- رغم التدخلات الرقابية في بعض المجالات، هناك تراجع عن بعض القرارات بعد انتشار الأخبار، مما يشير إلى وجود مساحة لحرية التعبير، مع دعوات لتأسيسها بشكل مؤسسي.
- يتطلع السوريون إلى صياغة دستور جديد بعد الانتخابات، بمشاركة جميع الأطياف السياسية، مع الأمل في استفتاء شعبي لضمان موافقة عامة الشعب.

قال الرئيس السوري، أحمد الشرع، في مقابلة مع قناة الإخبارية السورية، مساء الجمعة الماضي، إن الحالة الصحّية والسليمة أن تكون في البلاد أصواتٌ ناقدة، وأن تكون هناك حرّيةٌ واسعةٌ للإعلام، وأن تكون الضوابط قليلة. وأوضح أنه يجب أن ترتّب القوانين والأنظمة والدستور حتى يعرف العامل السياسي المساحة التي ينبغي أن يعمل فيها. وفي النهاية، ستكون هناك تعدّدية سياسية وآراء مختلفة، وهذه الحالة الطبيعية التي تليق بسورية. وقال أيضاً إنه لا يريد لسورية أن يقرّر الرئيس فيها كل شيء، والشعب لن يقبل هذا.  ... ولا يمكن لأيٍّ منّا أن يسمع هذا كله من دون أن يقابله باستحسانٍ وتثمين، سيّما وأن أيَّ متابعٍ للمشهد السوري الراهن يلحظ، بيُسر، أن مساحات حرّّية التعبير عن الرأي فيه واسعة، وأن ما قد يتردّد عن تبرّم أو استياءٍ لدى السلطة، أو أحد ممثليها، من مقالةٍ هنا أو تقرير إخباري هناك، لا يتوازى مع إجراءٍ أو تصرّفٍ يستهدف المنبر الذي نُشر فيه هذا أو ذاك. وإذ تواترت، أخيراً، أنباءٌ غير مُرضيةٍ عن تدخّلات جهاز الرقابة أو الجهة المختصّة بإجازة العروض الفنّية (المسرحية مثلا) أو إصدار الكتب، بالمنع والحذف وعدم الترخيص (...)، فملحوظٌ أن بعض قراراتٍ مثل هذه جرى التراجع عنها، فور أن شاعت أخبارٌ في هذا الصدد. ومع الثناء على هذا، يحسُن أن تتمأسس سعة الصدر الملحوظة تلك، وهي مما لا يجدُر أن يعدَّ منحةً من السلطة، وأن تكون أوضح في قوانين معلومة، وإجراءاتٍ يُؤخَذ بها ويُقاس عليها. 
وإذ يُسمع من الرئيس كلامُه الطيّب أعلاه (وغيره)، فإن لمنتقدين كثيرين أن يتحدّثوا عما يُرى من عدم مشاركة أطيافٍ عريضةٍ في الحقل السياسي السوري في صناعة القرار، وأن يذيعوا أن الجاري حالياً نوعٌ من استفراد هيئة تحرير الشام بكل شيء. والقول هنا إن هذا، في عمومه، ظاهرٌ وبيّن. ولكن، لأهل الحكم أن يقولوا، في الوقت نفسه، إنها مرحلةٌ انتقالية، وإن ما بعدها سيكون مختلفاً. وقد جاء الرئيس في المقابلة معه على هذا، بشيءٍ من الوضوح، عندما أفاد بأن دستوراً جديداً سيُصاغ "وسيكون فيه الكثير من التفاصيل" بعد الانتخابات المقبلة، والتي ستأتي بمجلس الشعب الذي "صيغ بطريقةٍ مقبولة كمرحلة انتقالية وليس كمرحلة دائمة". والرأي عند بعض أهل الرأي، ومقبولٌ من كثيرين، إن أي تحفّظاتٍ على الكيفيّة التي سيجري فيها "انتخابُ" أعضاء مجلس الشعب "المعيّنين" والمُختارين من هيئةٍ ناخبة، وإنْ توفّرت لها كل أسباب الوجاهة، فالمرجوّ ألا يغفل أحدٌ عن الطبيعة الانتقالية الخاصّة التي تمر ّفيها سورية، فلا ظروف مكتملة الشروط لإنجاز انتخاباتٍ حقيقيةٍ تمثيليّة، عدا عن أن طرائق تشكيل المجالس في المراحل الانعطافية التي تمرّ بها الشعوب والأمم والدول عديدة ومتنوّعة، ومع الغواية التي يتضمّنها القول عن وجوب "إشراك الشعب"، فإنها في المنعطف السوري الخاص في حاجةٍ إلى بعض الفحص والتدقيق، عدا عن درس ممكناتها.
إلى هذا كله، له وجاهة ذلك الرأي الذي يذهب إلى أن العبرة في النتائج، فالدستور الذي سيكتُبه مجلس الشعب المنتظر (أعتقد أنه منتظرٌ حقّا) سيكون موضع نقاش سياسي وإعلامي واسع، ويُفترض أن يخوض الجميع من أهل المعارضة والموالاة الراهنتين فيه. ويُفترض، أيضاً وأيضاً، أن يضم المجلس أهل اختصاصٍ وخبرةٍ ومعرفة بالدساتير وتفاصيلها. والمأمول أن ينفتح الإعلام الرسمي (الإخبارية وغيرها) على تنوّع الآراء واتّساعها في الذي سيتضمّنه مشروع الدستور، بحرّية ومسؤولية. والمأمول، من قبلُ ومن بعد، ألا يستنكف الغاضبون وغير الراضين عن الحكم في طوْره الراهن عن هذا النقاش، فالدستور الذي سيصير دستورَ الجمهورية العربية السورية يتعلّق بجميع مواطنيها، وأظنُه (لستُ متأكداً) سيخضع لاستفتاء الجمهور العام، كما حدث في كل الدول التي عبرت في تجربةٍ مماثلةٍ أو مماثلةٍ بعض الشيء.
لنا أن نستعجل بناء أحزاب وتجمّعات سياسية في سورية، وبناء مؤسّساتٍ ومنصّات إعلامية متنوّعة المرجعيات. ولنا أن ننتظر العموم السوري يتساجل ويتجادَل في مشروع دستورٍ منتظر، وفي قوانين مأمولة، وحياةٍ سياسيةٍ راشدةٍ وحيوية، مؤطّرة بقوانين ضامنة للحرّيات وحقوق الإنسان ... لنا هذا كله وغيره، والله الموفق.

المساهمون