- تطوير البنية التحتية يجب أن يكون جزءًا من السياسة الاقتصادية والاستثمارية في سوريا، مستفيدين من تجارب دول مثل تركيا والصين والمغرب في استخدام البنية التحتية كمحرك للنمو الاقتصادي.
- ينبغي لوزارات الأشغال العامة والنقل أن تلعب دورًا محوريًا في تحسين الطرق بعد الحرب، مما سيؤثر إيجابيًا على قطاعات مثل الصناعة والزراعة والسياحة.
روى لي أبي ذات يوم حكاية عن قصة إنشاء طريق حلب - إدلب، وكيف أن هذا الطريق ساهم، مصادفة، في رفع شأن عائلة من "ضيعتنا" بنّش، إلى مصاف العائلات الغنية والميسورة، وفي الوقت نفسه، سلب إرث الزعامة والوفرة من عائلة أخرى.
مختصر القصة أن العائلة التي كانت تتصدر المشهد والزعامة في خمسينيات القرن الماضي، وحين سمعت أن الحكومة تنوي شق الطريق، وأن هذا الطريق سيمر بأراضيها الزراعية، جنّ جنونها، شعرت أن هذا المشروع سيكون على حساب أراضيها، فقامت بالكثير من الجهود، وذهب مختارها إلى دمشق، يحمل الهدايا، و يتوسل للمسؤولين أن يغيروا مسار الطريق، وبالفعل تمت الاستجابة لطلبه، وتقرر تغيير مسار الطريق بحيث صار يمرّ في شمال "الضيعة" بدلاً من جنوبها. لكن الذي حصل أن عائلة فقيرة وعادية، صارت منازلها على مقربة من الطريق، اكتشفت أهمية "السيارة" والنقل بالنسبة للناس وحركة التجارة، فقررت بيع جزء من أراضيها وشراء السيارات، ثم وخلال وقت قصير بدأت تظهر علامات الوفرة والغنى والمكانة عند هذه العائلة نتيجة عملها في تجارة السيارات، فيما بقيت عائلة "المختار" التي خافت من "الطريق" بعيدة عن الحداثة المتمثلة في ذلك الوقت بطريق إدلب - حلب والسيارات وحركة النقل.
تصلح هذه الحكاية لكل زمان ومكان، وربما على الحكومة السورية اليوم التي تتحدث عن إعادة البناء والاستثمار أن تستمع إلى حكاية أبي هذه وتستخلص منها العبر. وحقيقة الأمر أن الطرقات والجسور والسكك الحديدية ليست مجرد إسفلت وفولاذ يمتد بين مدينة وأخرى، هذه كلها، في أي دولة تريد أن تنهض، هي اللغة التي تتحدث بها التنمية، والوسيلة التي تنتقل عبرها التجارة والاستثمار والناس والأفكار. لذلك، يصعب تصور أي حديث جدي عن إعادة إعمار سورية، أو عن جذب المستثمرين، فيما لا تزال شبكة الطرق في معظم أنحاء البلاد تعاني التهالك والإهمال، وتحولت، في أحيانٍ كثيرة، إلى مصدر يومي للخطر. والقضية هنا تتجاوز السلامة المرورية، على أهميتها. فالطريق الجيد يختصر الزمن ويخفض كلفة النقل، ويمنح المستثمر الثقة بأن إنتاجه سيصل إلى الأسواق بسرعة وكفاءة. أما الطريق السيئ فيرفع النفقات، ويستهلك الوقود والمركبات، ويجعل أي مشروع استثماري أقل جاذبية.
تحدّث الرئيس أحمد الشرع أكثر من مرة عن الموقع الجغرافي الذي يؤهل سورية لتكون عقدة وصل بين آسيا وأوروبا، وبين الخليج وتركيا والبحر المتوسط. كما تحدثت تقارير اقتصادية عديدة عن فرص تحول البلاد إلى ممر رئيسي للتجارة والطاقة والنقل. غير أن هذا الطموح لن يتحول إلى واقع إذا بقيت البنية التحتية عاجزة عن استيعاب حركة الشاحنات والبضائع والمسافرين. ولعل تجربة تركيا تقدم مثالاً واضحاً. فمنذ مطلع الألفية، استثمرت الحكومات التركية مليارات الدولارات في الطرق السريعة والجسور العملاقة والأنفاق وشبكات القطارات السريعة، فتحولت حركة النقل إلى عنصر أساسي في النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات. والأمر نفسه يمكن ملاحظته في الصين، وحتى في دولة المغرب.
في الحالة السورية، لا ينبغي النظر إلى إعادة تأهيل الطرق باعتبارها مشروعاً خدمياً عادياً، بل باعتبارها سياسة اقتصادية واستثمارية بامتياز. وربما آن الأوان لأن تتحول وزارتا الأشغال العامة والنقل إلى أكثر الوزارات حضوراً في مرحلة ما بعد الحرب، لأن نجاحها لن ينعكس على قطاع النقل وحده، بل على الصناعة والزراعة والسياحة والتجارة.
قد لا تكون الطرق المعبدة خبراً مثيراً، ولا الجسور الجديدة مادة تتصدر النقاشات السياسية، لكنها غالباً ما تكون البداية الحقيقية لأي نهضة. فالأوطان، مثل الجسد، لا تستطيع الحياة بشرايين مقطوعة أو أوردة متعبة. وإذا كانت سورية تطمح فعلاً إلى استعادة دورها الاقتصادي والإقليمي، فإن أول الطريق إلى ذلك يبدأ… من الطريق نفسه.