- الأمن الغذائي وأهميته: تأمين رغيف الخبز يُعد الركن الأساسي في معركة الأمن الغذائي، وهو أكثر أهمية من المعارك العسكرية، حيث تراوح إنتاج القمح تاريخيًا بين 2.5 و3.5 ملايين طن.
- القناعة والواقع السوري: امتلاك الخبز يعكس القناعة ويعتبر إنجازًا محليًا مهمًا، حيث أن الفرح الحقيقي يأتي من الإنجازات المحلية مثل حصاد القمح، وليس من زيارات أو تصريحات دولية.
هكذا يكون شكل الخبر السعيد، وليس تصريحاً لترامب، أو مصافحة مع ماكرون، أو اتفاقاً بالأحرف الأولى مع شركة إماراتية أو قطرية، ولا حتى إعلان الكونغرس عن رفع العقوبات حقاً وفعلاً، فهذه لا يمكن أن تكون، كقمحنا البعل، هبةً من السماء من دون شروط.
لعل هذا أسعد خبر يأتي من سورية منذ سنوات: "أعلنت المؤسّسة السورية للحبوب أن إجمالي الكمّيات المستلمة حتى تاريخه (الأربعاء /2026/15/7) بلغ 2.2 مليون طن من القمح".
في العموم، نحن نريد خبزاً أسمر لا أبراج تجارة بواجهات زجاجية زرقاء، طحيناً لا مياه غازيّة، قمحاً لا ملاعب غولف. ففي الثقافة السورية العميقة، ومن قبل أن يكون هناك شيء اسمه سورية، كان وجود كيس حنطة في البيت يعني الأمان، ووجود كيس في كل بيت من بيوت القرية يعني السلام.
لأول مرّة منذ 15 عاماً، صار في كل بيت من بيوت هذه القرية كيس حنطة. فحرفياً هذا الرقم هو الحاجة الفعلية للبلاد، إذ يأكل المواطن السوري 110 كيلوغرامات من القمح في العام، وهذا يعادل "شوال أبو ميل أحمر" الشهير.
صحيح أن باقي علامات السلام والأمان ليست ظاهرة على بيوتها، ولا وجوه أبنائها، لكن كيس الحنطة إذا ما حضر يرفع القدرة على احتمال باقي الآلام، ويجعل الحزن والخوف أقل وطأة. وبرميل الطحين هو النقيض المعاكس تماماً للبرميل المتفجّر. وحتى البيت المدمّر يصبح أكثر حياةً إذا ما كان في زاوية منه كيس طحين.
استعادة هذه الجبهة لا تعني أن سورية أنهت الحرب، لكن رغيف الخبز هو الركن الأساسي في معركة الأمن الغذائي، والذي يأتي في مقدمة المعارك التي تنتظرنا، وهذه معركة تبدو معها كل المعارك الأخرى سخيفة وعبثية، فما معنى أن تنتصر في معركة عسكرية، وظهرك مكشوف للجوع؟
في بعض السنوات وصل إنتاج القمح إلى خمسة ملايين طن، وتراوح في غالب السنوات بين 2.5 و3.5 ملايين. استمّرت هذه الحالة عقوداً، وقد كانت عقوداً سيئة، لكنها عبرت، لأن سورية خلالها زرعت القمح وحصدته، صدّرته وخزّنته، وبنت له الصوامع، وتوفّر الخبز من قمح أرضها جعل سنواتها الكئيبة القاسية أقل قسوة، حتّى إنه ربما أخّر لحظة انفجارها في وجه طاغيتها.
ومن يملك خبزه يملك الكثير. أعرف أن منطق القناعة هذا يليق بالفقراء، ومن أفقر منّا؟ ما اسمنا نحن إذاً؟ إذا زارنا نائب مدير شيفرون، ورئيس توتال، ومحمد العبّار، فهذا لا يعني أننا أصبحنا مثلهم، وإذا قال توم براك إننا حققنا نجاحات مبهرة، وقال ترامب إن سورية عادت عظيمة مرّة أخرى، فهذا لا يعني أننا لم نعد فقراء، وأننا فعلاً عدنا بلدنا عظيماً، وهذه مسائل متعلقة بقاموس ترامب الضيق الذي لا يحتوي سوى 20 جملة ومئتي مفردة وأربع أفكار.
لست من الذين يبتهجون إذا ما زار رئيس بلادهم البيت الأبيض، بل أفعل إذا ما زار السويداء، ولا إذا ما استقبل رئيس اتحاد أرباب العمل الفرنسي، بل إذا ما استقبل صباغ وعلبي وشرباتي وباقي النسّاجين السوريين. ولا يفرحني أن تبني ماريوت فندقاً في بلدي، بل أن يهطل المطر فيحصد أهلي ثلاثة ملايين طن من القمح، ومثل جميع السوريين أردّد الحديث الشريف: "من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنّما حِيزت له الدنيا".
هذا العام صار عندنا قوت يومنا، بقي أن تتعافى أجسادنا من سقام السنين، ونأمن على أنفسنا وأبنائنا.