خصخصة الرياضة السورية... من يملك الأندية ليبيعها؟

22 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 14:00 (توقيت القدس)
من مباراة الشعلة والطليعة في الدوري السوري لموسم 2024/ 2025 بدمشق (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تتزايد النقاشات حول خصخصة الأندية الرياضية في سوريا، مع اقتراح تحويلها إلى شركات مساهمة مملوكة من القطاع الخاص، مع ترك حصة للجماهير لتعزيز الشفافية والمشاركة الشعبية.
- يمكن أن تؤدي الخصخصة إلى تحسين البنية التحتية وزيادة التنافسية، لكنها تواجه تحديات مثل فقدان الهوية الوطنية وزيادة أسعار التذاكر وتهميش الأندية الصغيرة.
- يتطلب الانتقال إلى الخصخصة خطوات صعبة، مما يستدعي نموذجًا محليًا مثل الخصخصة الجزئية، مع إعداد دراسة جدوى شاملة واستراتيجية طويلة المدى.

كثر الحديث أخيراً عن النية لاتخاذ خطواتٍ عمليةٍ باتجاه إصدار قرارٍ بخصخصة الأندية الرياضية في سورية، بما يحوّلها إلى شركات مساهمة مملوكة من مستثمرين من القطاع الخاص، مع ترك حصّة لجماهير النادي، بما يعزّز الشفافية والمشاركة الشعبية ويقيم قاعدة استثمارية متينة.
وعلى الرغم من أن مطالبات إعلامية كثيرة خرجت في الماضي تطالب بدراسةٍ معمّقةٍ لواقع الأندية في سورية وإمكانية التحوّل نحو "تخصص الأندية"، بما يعني عدم إجبارها على ممارسة عديد من الألعاب، والاكتفاء بألعاب محدودة جداً، أو نحو "خصخصة الأندية" من أجل منحها الاستقلالية الإدارية والاقتصادية، بما يتماشى مع المعايير القارّية والدولية.
لم تلق هذه المطالبات آذاناً صاغية بسبب رغبة الدولة في الاستمرار بالنهج القديم والتحكّم بالأندية بوصفها مؤسّسات حكومية يمكنها أن تشكّل مكاناً أمثل لتمرير ما تريده سياسياً وحزبياً عند الأزمات، مستغلّة عشق الجماهير السورية أنديتها والسير وفق بوصلتها. 
شهدت الساحة الرياضية العالمية في السنوات الأخيرة تحوّلات كبيرة في طريقة إدارة الأندية الرياضية، من أبرز هذه التحولات الخصخصة، أي عملية نقل ملكية الأندية الرياضية من الحكومات أو الوزارة المعنية بإدارة شؤون الرياضة في البلاد إلى الشركات الخاصة والمستثمرين (الأفراد). ونجحت تجارب حية عديدة في تحسين كفاءة الأندية وزيادة الإيرادات وجذب الاستثمارات، لكن هذا النجاح تفاوت من ناد إلى آخر ومن بلد إلى آخر، فلم تكن "الخصخصة" في بعض الأحيان "حلاً سحرياً" للتحدّيات التي تواجهها الأندية الرياضية، ولا سيما في بلدان العالم الثالث.

باتت إدارة الأندية الرياضية في العصر الحالي تتطلب استثمارات ضخمة سواء في البنية التحتية أو الرواتب والتعاقدات

 في سورية ومنذ تأسيس منظمّة الاتحاد الرياضي العام ووضع الدولة يدها على الأندية الرياضية من خلال منظومة مستوردة من بلدان المعسكر الاشتراكي، تحولت هذه الأندية إلى ما يشبه المؤسسات الحكومية التي تنفذ الأوامر والخطط "الرياضية والسياسية"، من دون امتلاك الحق في الرفض أو الخروج عن السرب. ومع التحوّل إلى منظومة الاحتراف، اختلف التعاطي قليلاً مع الأمر من خلال غضّ النظر أو السماح لرجال أعمال وداعمين بفرض وصاية مباشرة أو غير مباشرة على القرارات، بما لا يتعارض مع السياسة العامة للمنظومة الرياضية، على نحوٍ خفف من ثقل الأعباء المادية التي كانت ملقاة على الحكومة لدعم القطاع الرياضي على مستوى الأندية، وهو أحد الأسباب التي تتم الدعوة حالياً للخصخصة من أجله، لكن المشكلة الأساسية التي حالت دون تطوّر هذا الأمر تمثلت بفرض القيود الكبيرة المتعلقة بالاستثمارات والصلاحيات التي تعطى لإدارات الأندية أو الداعمين.

إيجابيات وسلبيات

باتت إدارة الأندية الرياضية في العصر الحالي تتطلب استثمارات ضخمة سواء في البنية التحتية أو الرواتب والتعاقدات، وعندما تكون الأندية تحت إدارة الحكومات فإن بعضاً من هذه النفقات تموّلها ميزانية الدولة، وهو ما يزيد العبء المالي عليها. وغالباً ما تعاني الأندية التي تديرها الحكومات أو تتدخل في تعيين إداراتها بشكل أو بآخر كما كان يجري في سورية في عهد نظام حزب البعث، من البيروقراطية وسوء الإدارة، على عكس القطاع الخاص التي يتمتع بالمرونة والقدرة على اتخاذ القرارات بسرعة، ويهتم بتعزيز الكفاءة الإدارية. والأكيد أن إدارة الأندية من القطاع الخاص تعطي فرصة أكبر للتفكير خارج الصندوق وجذب الاستثمارات والرعاية من الشركات الكبرى، وهذا أحد العوامل التي تؤدّي إلى الاستدامة المالية، حيث تتعرّض الأندية التي تعتمد على الدعم الحكومي (مثل أندية الهيئات في سورية) إلى أزمات خانقة ومشكلات مالية عندما يتراجع الدعم أو يتأخر تأمين الموارد المالية.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن من إيجابيات خصخصة الأندية تحسين البنية التحتية للأندية وزيادة التنافسية، حيث يسمح توفر الموارد المالية للأندية بالتعاقد مع أفضل اللاعبين والمدربين، وهو ما سينعكس لاحقاً على مستوى الدوري المحلي وجاذبيته الإعلامية والتسويقية والفنية. كما أن دخول القطاع الخاص إلى الأندية من شأنه أن يؤدي إلى خلق فرص عمل مباشرة أو غير مباشرة، سواء في الأعمال الإدارية أو المشاريع المحيطة، مثل المطاعم والفنادق والمتاجر الخاصة بالنادي واستثماراته.
وبالرغم من فوائد عديدة تقدمها الخصخصة، إلا أنها ليست خالية من التحدّيات، فعلى سبيل المثال: عندما يصبح الهدف الرئيسي للنادي تحقيق الربح، فقد يؤدّي ذلك إلى زيادة في أسعار تذاكر المباريات التي تمثل أحد الأبواب التي يحقق من خلالها النادي أرباحه التجارية. وهنا لا يمكن للحكومة أو الدولة أن تتدخّل في الأمر أو تفرض سعراً موحداً لدخول المباريات. ويخشى بعضٌ ممن يعارضون فكرة خصخصة الأندية من أن تؤدّي هذه العملية إلى فقدان الأندية هويتها الوطنية، خصوصاً إذا استحوذ عليها مستثمرون أجانب، كما حصل مع أرسنال الانكليزي الذي خاض مبارياتٍ عديدة من دون أي لاعب يحمل الجنسية البريطانية في صفوفه، فيما باتت اللغة الأكثر تداولاً في إحدى الفترات هي الفرنسية خلال التدريبات بسبب كثرة اللاعبين المتحدثين بالفرنسية داخل صفوف الفريق.
وهناك من يرى أن الخصخصة قد تؤدّي إلى بناء دولة داخل دولة، فالأندية التي جرى تخصيصها إذا اشترتها الأحزاب أو الكتل السياسية، قد تشكل قوة كبيرة على الأرض بفضل قدراتها المالية والبشرية. مثلاً، تصل الأرباح السنوية لنادي مانشستر يونايتد إلى أكثر من 500 مليون دولار سنوياً، ولعل التجربة اللبنانية في هذا الإطار ماثلة في الأذهان، حيث تنتمي معظم الأندية الرياضية إلى تيارات حزبية وسياسية، ويظهر تأثير ذلك من خلال الهتافات والشعارات التي ترفع في الملاعب ببعض المباريات. ومن المحاذير أيضاً تدهور أداء النادي والوصول إلى حافة الإفلاس إذا ما حظي بمستثمرين أو إدارة لا تمتلك الخبرة الكافية أو الكفاءة الحقيقية. وفي سياق متصل، قد يؤدّي تهافت المستثمرين على شراء الأندية الكبرى وذات الجماهيرية الأعلى إلى تهميش الأندية الصغيرة وضعيفة الموارد، ما يؤثر سلباً على مستوى المنافسة في بطولة الدوري المحلي ويضعفها.

يتطلب الانتقال إلى خصخصة الأندية خطوات عديدة أساسية، ربما لا نكون قادرين على تنفيذها كاملة

النموذج الجاهز والخصوصية المحلية

يهرول كثيرون نحو موضوع خصخصة الأندية من دون وضوح صورة النموذج الذي يجب اعتماده، وهنا نتحدّث عن نموذج عربي وليس أجنبي، كما هو الحال في الجزائر أو العراق، لأنه بطبيعة الحال سيكون من الصعب للغاية تطبيق النموذج السعودي أو حتى الإماراتي لأسباب عديدة. لكن هناك من يرى ضرورة التأنّي قبل اتخاذ قرارٍ كهذا، لأن أرضية الاستثمار في سورية غير مشجّعة، وبالتالي فإن الرأسمال الذي لم يأت بقوة من أجل مشاريع اقتصادية كبيرة لن يكون جاهزاً للدخول في غياهب الاستثمار الرياضي أو في الأندية الرياضية. ويتساءل بعضهم عما إذا كانت وزارة الرياضة المشكلة حديثاً أو منظمة الاتحاد الرياضي العام، أو أي وزارة أخرى، تملك صكّ الملكية الذي يمنح الأندية الحقّ في الخصخصة، وهل الأندية تعتبر أملاكاً حكومية أو مشيدات عامة تملكها الدولة، وتكون قابلة للانتقال من القطاع العام إلى القطاع الخاص.
يتطلب الانتقال إلى خصخصة الأندية خطوات عديدة أساسية، ربما لا نكون قادرين على تنفيذها كاملة، ما يعني ضرورة ابتكار نموذج محلي خاص (الخصخصة الجزئية)، التي تسمح بحصول المستثمر أو مجموعة من المستثمرين على نسبة ما من أسهم النادي لا تزيد عن 49%، بينما تحافظ الجماهير أو المؤسسة الرياضية (النادي) على نسبة 51% من أسهم النادي. وتتيح هذه المسألة للاستثمار الخاص إقامة المشروعات العامة والاستثمارات بما لا يعطيه الحق في التصرف بكامل مقدّرات النادي من دون تصويت من الجمعية العمومية للأعضاء، ما يحفظ الأندية من الانهيار المفاجئ، كما كان يحصل في الماضي مع تسرّب الملل إلى الداعم المالي نفسه، أو انتهاء مصلحته الخاصة من دخوله هذا الميدان. ... لذا لا بد من إعداد دراسة كاملة تتعلق بالجدوى الفنية والاقتصادية من خصخصة الأندية الرياضية، ووضع استراتيجية طويلة المدى بالتزامن مع سن التشريعات والقوانين الناظمة لعملية الخصخصة.