رفع سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب... آفاق استثمارية وإعادة اندماج اقتصادي

01 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 11:33 (توقيت القدس)
عامل في مبنى قيد الإنشاء في ماروتا سيتي بدمشق (22/7/2026 فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- رفع التصنيف وتأثيره على الاقتصاد السوري: تم رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مما أتاح للسوق السورية فرصة جديدة للتفاعل مع الاقتصاد العالمي، رغم بقاء بعض القيود المتعلقة بالنظام السابق وانتهاكات حقوق الإنسان.

- التحديات والفرص الاستثمارية: تواجه سوريا تحديات مثل ضعف البنية التحتية المصرفية ومخاطر العملة، مع تقدير كلفة إعادة البناء بـ216 مليار دولار، مما يتطلب إعداداً فنياً وقانونياً ومالياً دقيقاً لتحويل الاحتياجات إلى مشروعات قابلة للتمويل.

- السيناريوهات المستقبلية والنتائج المحتملة: تتراوح السيناريوهات بين تحسن محدود وعودة تدريجية للعلاقات المصرفية، مع إمكانية وصول التدفقات الاستثمارية إلى 4-6 مليارات دولار سنوياً إذا اقترنت بإصلاحات داخلية سريعة.

دخل رفع سورية من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب حيز التنفيذ في 24 يوليو/ تموز الماضي، وبذلك اكتمل مسار بدأ بإنهاء العقوبات الأميركية الشاملة العام الماضي، ورفع الاتحاد الأوروبي عقوباته الاقتصادية العامة العام ذاته، ثم استئناف التطبيق الكامل لاتفاق التعاون الاقتصادي والتجاري بين سورية والاتحاد الأوروبي في مايو/ أيار من العام الحالي.

ليست أهمية القرار في إزالة عقوبة منفردة، بل في استكمال تفكيك منظومة قانونية تراكمت فوق بعضها عقوداً. فقد كانت السوق السورية خاضعة لطبقات متداخلة من القيود الأميركية والأوروبية، بعضها يستهدف الدولة والاقتصاد عموماً، وبعضها يرتبط بتصنيف الإرهاب، وبعضها الآخر يلاحق أفراداً وكيانات وأنشطة محددة. وأدى هذا التشابك إلى جعل المصارف والشركات غير قادرة، في كثير من الحالات، على تحديد ما إذا كانت المعاملة مسموحة أم محظورة. وأمام ارتفاع كلفة التحقق والمخاطر المحتملة، اختارت مؤسسات كثيرة تجنب السوق السورية بالكامل، بما في ذلك معاملات لم تكن محظورة قانونياً.
بدأ تفكيك هذه المنظومة فعلياً في عام 2025. ففي الولايات المتحدة أُنهي برنامج العقوبات الشاملة، وأُلغيت الأوامر التنفيذية التي كانت تشكل الأساس القانوني لتجميد أصول الدولة السورية وحظر معظم المعاملات معها. كما أزيلت أسماء وكيانات كان إدراجها قائماً حصراً على البرنامج السوري، ولم تعد المؤسسات الأميركية ممنوعة مبدئياً من تقديم الخدمات المالية أو معالجة المدفوعات أو إقامة علاقات مصرفية مراسلة مع المصارف السورية غير المدرجة.
وفي المقابل، انتقلت العقوبات المتبقية من استهداف الدولة والاقتصاد عموماً إلى استهداف رموز النظام السابق، والمتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، وتجارة الكبتاغون، وانتشار الأسلحة، والتنظيمات الإرهابية، والجهات المرتبطة بإيران. واتخذ الاتحاد الأوروبي مساراً مماثلاً عندما رفع معظم العقوبات القطاعية المتعلقة بالمصارف والتمويل والطاقة والنقل والتجارة، وأزال المصرف المركزي السوري وعدداً من المصارف وشركات النفط والاتصالات من قوائم تجميد الأصول. لكنه أبقى القيود المتعلقة بالأسلحة ومعدات القمع الداخلي وتقنيات المراقبة، إلى جانب العقوبات الفردية على الأشخاص والكيانات المرتبطة بالنظام السابق أو بانتهاكات حقوق الإنسان. وبذلك لم يعد التعامل مع الدولة أو قطاعات الاقتصاد السوري محظوراً بصفته العامة، بينما بقي التعامل مع الأشخاص المدرجين والأنشطة الأمنية والعسكرية والتكنولوجية الحساسة خاضعاً للحظر أو للترخيص.
وقد ظل تصنيف سورية دولة راعية للإرهاب قائماً بوصفه طبقة قانونية مستقلة حتى بعد إنهاء برنامج العقوبات الاقتصادية الشاملة. وكان يفرض قيوداً على المساعدات والتمويل الرسمي الأميركي، والصادرات الدفاعية، والسلع والتقنيات مزدوجة الاستخدام، وبعض المعاملات المالية، إضافة إلى مخاطر قضائية وضريبية مرتبطة بالتعامل مع الدولة ومؤسساتها. لذلك لم يكن إنهاء برنامج العقوبات السوري في 2025 كافياً لإقناع المصارف والمستثمرين بأن المخاطر القانونية زالت بالكامل. فقد بقي التصنيف إشارة سيادية شديدة الخطورة، تسمح للجهات الرقابية ولجان الامتثال باعتبار كل معاملة مرتبطة بسورية حالةً استثنائيةً تستوجب تدقيقاً إضافياً.
أما رفع التصنيف في 24 أغسطس/ آب 2026، فقد أنهى القيود القانونية المباشرة المرتبطة به، وأزال الأساس الذي كانت تعتمد عليه مجموعة إضافية من المحظورات والاستثناءات. كما أدّى رفع التصنيفات المرتبطة بهيئة تحرير الشام إلى زوال الحاجة إلى بعض الرخص العامة التي كانت تسمح بالتعامل مع مؤسسات الدولة على سبيل الاستثناء. وهنا يكمن التحول الجوهري: انتقلت المعاملات مع سورية من قاعدة تقوم على المنع، ولا تسمح بالنشاط إلا من خلال رخص واستثناءات، إلى قاعدة تسمح بمعظم الأعمال، ما لم تشمل شخصاً مدرجاً أو نشاطاً محظوراً بصورة مستقلة. وهذا التحول مهم للمستثمر طويل الأجل. فالعمل بموجب رخصة مؤقتة يبقي المشروع معرضاً لاحتمال تعديلها أو عدم تجديدها، بينما يسمح إلغاء الأساس القانوني للحظر ببناء قرارات تجارية واستثمارية تمتد لسنوات.

من المرجح أن يظهر الأثر الأول للقرار في القطاع المصرفي، من خلال انخفاض حالات رفض التحويلات، وتوسع العلاقات مع المصارف المراسلة، وعودة الاعتمادات المستندية وخطابات الضمان وتمويل التجارة

إزالة التشابكات لا تنتهي برفع التصنيف

لا يعني رفع التصنيف أن جميع المعاملات والسلع والأطراف أصبحت متاحة من دون مراجعة، فالمرحلة الجديدة تتطلب التمييز بين معاملات أصبحت مسموحة بالكامل، ومعاملات تحتاج إلى ترخيص بسبب طبيعة السلعة أو التقنية، ومعاملات تبقى محظورة لأن أحد أطرافها مدرج على قوائم العقوبات. وتبرز هنا مشكلة الملكية غير المباشرة. فقد تكون الشركة غير مدرجة، لكن يملكها أو يسيطر عليها شخص خاضع للعقوبات، أو يكون أحد الوسطاء أو المورّدين أو المستفيدين النهائيين مدرجاً. ولذلك ستبقى المصارف مطالبةً بفحص سلسلة الملكية والمستفيد الحقيقي ومصدر الأموال والأطراف المرتبطة بالمعاملة.
وتختلف ضوابط التصدير عن العقوبات المالية، فقد أصبحت غالبية السلع المدنية أكثر سهولة في التصدير إلى سورية، لكن بعض معدات الاتصالات والتشفير والملاحة والطيران والتحكم الصناعي والمكونات الإلكترونية وتقنيات الطاقة قد تبقى خاضعة للترخيص، وفق مواصفاتها التقنية ومصدرها وطبيعة استخدامها والمستخدم النهائي لها. وعليه، فإن تفكيك العقوبات لا يعني إزالة الرقابة، بل الانتقال من رقابة تقوم على جنسية السوق السورية إلى رقابة تقوم على هوية الأطراف وطبيعة السلعة والاستخدام النهائي.

كيف أعاق التصنيف اندماج سورية في الاقتصاد العالمي؟

كان وجود سورية على القائمة يعطل الاندماج الاقتصادي من خلال تأثيره في السلسلة المالية والتجارية الكاملة، وليس فقط من خلال منع الاستثمار الأميركي المباشر. فالمستثمر الخليجي أو الأوروبي قد يحتاج إلى مصرف يستخدم الدولار، والمورد الآسيوي قد يعتمد على مكونات أميركية، وشركة التأمين قد تكون مرتبطة بالسوق الأميركية، كما قد تمر المدفوعات بمصرف مراسل في الولايات المتحدة أو أوروبا. ونتيجةً لذلك، كانت مخاطر التصنيف تنتقل إلى مصارف وشركات وموردين من دول لا تفرض هي نفسها حظراً شاملاً على سورية. وقد أصبحت العلاقة غير المباشرة بالنظام المالي الأميركي كافيةً لجعل مؤسسات كثيرة ترفض التعامل مع السوق السورية. وعمل التصنيف عملياً بوصفه علاوة مخاطر تضاف إلى كلفة كل معاملة تقريباً. فقد رفع نفقات التدقيق والاستشارات القانونية والتأمين، ودفع الموردين إلى اشتراط الدفع المسبق، وقلص آجال التمويل، وزاد الضمانات المطلوبة، وأضعف قدرة الشركات السورية على استيراد التجهيزات والتكنولوجيا والخدمات. ولم تكن المشكلة دائماً في قانونية إنشاء مصنع أو فندق أو مشروع للطاقة، بل في إمكانية فتح حساب للمشروع، وتحويل مساهمة المستثمر، وإصدار اعتماد مستندي، وتأمين الشحنة، ودفع المورد الأجنبي، ثم تحويل الأرباح أو إعادة رأس المال عند التخارج. وإذا تعطل رابط واحد من هذه السلسلة، أصبحت الصفقة أكثر كلفةً أو غير قابلة للتنفيذ. واضطرت بعض المعاملات إلى المرور عبر وسطاء ودول ثالثة، ما زاد العمولات وفترات التسوية ومخاطر الاحتيال وتقلبات سعر الصرف، وأضعف شفافية التدفقات المالية.

الانعكاسات المصرفية والمالية

من المرجح أن يظهر الأثر الأول للقرار في القطاع المصرفي، من خلال انخفاض حالات رفض التحويلات، وتوسع العلاقات مع المصارف المراسلة، وعودة الاعتمادات المستندية وخطابات الضمان وتمويل التجارة. وبعد استقرار هذه القنوات، تصبح الاستثمارات طويلة الأجل أكثر قابليةً للتمويل والتنفيذ. لكن الاتصال بشبكة "سويفت" لا يعني وحده اكتمال الاندماج المصرفي. فالشبكة تنقل الرسائل والتعليمات المالية، بينما يحتاج تنفيذ التحويل إلى حسابات مراسلة نشطة، وحدود ائتمانية، ومصارف أجنبية مستعدة لإجراء التسوية. كما أن السماح القانوني بإقامة العلاقات المراسلة لا يلزم المصارف الدولية بالعودة إلى سورية. فالمصرف يقارن الإيرادات المتوقعة من التحويلات وتمويل التجارة بتكاليف الامتثال والتدقيق والمخاطر القانونية والتشغيلية. وإذا كانت المعلومات عن العملاء والملكية ومصادر الأموال غير كافية، فقد يستمر في تجنب السوق رغم زوال الحظر.
وتبقى سورية على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي، ما يعني استمرار المراقبة المتزايدة لأوجه القصور في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل الانتشار. ولا تؤدي القائمة إلى قطع العلاقات المصرفية تلقائياً، لكنها ترفع متطلبات التحقق من المستفيد الحقيقي ومصدر الأموال وطبيعة المعاملة. لذلك أزال رفع التصنيف الحاجز القانوني والسيادي الأعلى، لكنه لم يزل حاجز الثقة المصرفية. وترتبط استعادة هذه الثقة بجودة الرقابة، وشفافية الملكية، ورسملة المصارف، وقدرتها على تتبع الأموال وإدارة المخاطر.

حجم الفرصة الاستثمارية وحدود استيعابها

تبلغ الأضرار المادية المباشرة في سورية نحو 108 مليارات دولار، منها 52 مليار دولار للبنية التحتية، و33 ملياراً للمساكن، و23 ملياراً للمباني غير السكنية. أما كلفة إعادة بناء الأصول فتقدر بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار. وتعادل هذه الكلفة ما بين تسعة وعشرة أضعاف الناتج المحلي السوري لعام 2024، بحسب اختلاف تقديرات الناتج بين نحو 21.4 مليار دولار لدى البنك الدولي ونحو 25.04 مليار دولار لدى "أونكتاد". ولا يغير اختلاف التقديرات النتيجة الأساسية، وهي أن الموازنة العامة والمدخرات المحلية والمصارف السورية لا تستطيع تمويل التعافي منفردةً. لكن ضخامة الاحتياجات لا تعني وجود عدد مماثل من الفرص الاستثمارية الجاهزة. فالحاجة إلى محطة كهرباء أو طريق أو شبكة مياه لا تتحول إلى مشروع قابل للتمويل قبل استكمال دراسة الجدوى، وتسوية وضع الأرض، وتحديد مصدر الإيرادات، وتوزيع المخاطر، وتأمين القدرة على إنفاذ العقد وتحويل الأرباح. ومن هنا، تتمثل إحدى أهم المشكلات في الفجوة بين حجم الاحتياجات وعدد المشروعات المعدة فنياً وقانونياً ومالياً. وقد تكون معالجة هذه الفجوة أكثر أهميةً في المرحلة الأولى من الإعلان عن قيم كبيرة للاستثمار.

يواجه الانفتاح الجديد خطر توجه الأموال نحو العقارات والتجارة القصيرة الأجل بسبب سرعة عوائدها مقارنةً بالمشروعات الإنتاجية

الاستثمار المنتج في مواجهة خطر المضاربة

تبدو الطاقة والكهرباء المرشح الأول لاستقبال الاستثمارات، لأن نقصهما يرفع كلفة الصناعة والزراعة والخدمات. وقد خصص البنك الدولي 146 مليون دولار لمشروع طارئ للكهرباء، لكن أهمية التمويل لا تكمن في حجمه وحده، بل في قدرته على إعادة تأهيل أجزاء من الشبكة وتهيئة المجال لدخول استثمارات أكبر. وفي النقل والخدمات اللوجستية، يتيح موقع سورية فرصاً لاستعادة دورها في الربط بين العراق والخليج وتركيا والبحر المتوسط. غير أن الموقع لا يكفي إذا بقيت الإجراءات الجمركية بطيئة، والرسوم متعددة، والتخليص غير قابل للتنبؤ. فالاستثمار في الموانئ والطرق والمطارات يحتاج إلى إصلاح الإجراءات التي تحدد كلفة المرور وزمنه.
وفي الزراعة والصناعات الغذائية، ينبغي توجيه الاستثمار نحو الري الحديث، وتقليل فاقد المياه، والتخزين والتبريد والتوضيب والتصنيع، ولا سيما أن السحوبات المائية تعادل نحو 196% من الموارد الداخلية المتجددة. وقد خصص البنك الدولي 150 مليون دولار لأمن المياه والخدمات القادرة على الصمود، بما يوفر قاعدةً أوليةً لتحسين البيئة اللازمة للاستثمار الزراعي.
أما الصناعة التحويلية، فتتيح فرصة لتحويل إعادة البناء إلى طلب على الإنتاج المحلي. فالطلب على الإسمنت والحديد والزجاج والكابلات والأدوية والأغذية يمكن أن يعيد تشغيل منشآت قائمة ويؤسس سلاسل إنتاج جديدة. وإذا جرى تلبية هذا الطلب بالاستيراد، فستتحول أموال الإعمار إلى ضغط على العملات الأجنبية والميزان التجاري بدلاً من توسيع القاعدة الإنتاجية.
ويواجه الانفتاح الجديد خطر توجه الأموال نحو العقارات والتجارة القصيرة الأجل بسبب سرعة عوائدها مقارنةً بالمشروعات الإنتاجية. وقد يؤدي ذلك إلى رفع أسعار الأراضي والمساكن وزيادة الطلب على العملات الأجنبية، من دون زيادة موازية في الإنتاج والتشغيل. ولذلك ينبغي ربط الحوافز بالوظائف والقيمة المضافة والصادرات والمكوّن المحلي ونقل التكنولوجيا، بدلاً من منح إعفاءات عامة غير مرتبطة بالأداء.

ماذا تقول التجربة؟

استطاعت سورية جذب استثمارات أجنبية رغم وجودها على القائمة منذ 1979. فقد بلغت التدفقات نحو 583 مليون دولار عام 2005، وارتفعت إلى 1.469 مليار دولار عام 2010، بما يعادل نحو 2.1% و2.4% من الناتج المحلي في العامين على التوالي. وهذا يثبت أن التصنيف لم يكن مانعاً مطلقاً للاستثمار، لكنه ضيق مصادره ورفع كلفة التعامل بالدولار وأبعد الشركات متعددة الجنسيات الأكثر حساسيةً لمخاطر الامتثال. كما وجّه جانباً من الاستثمارات نحو مستثمرين إقليميين أكثر استعداداً لتحمل المخاطر.
أما انهيار الاستثمار بعد 2011، فلم يكن نتيجة التصنيف وحده، بل جاء نتيجة تراكم الحرب والعقوبات وتدمير الأصول وانهيار الطاقة والعملة وتراجع الطلب وضعف المؤسسات. لذلك لا يمكن تقدير حصة التصنيف وحده من خسائر الاستثمار، كما لا يمكن توقع عودة التدفقات إلى مستويات مرتفعة بمجرد إلغائه. وتظهر بيانات التجارة حجم التحدي. فقد تراجعت صادرات السلع من 12.8 مليار دولار عام 2010 إلى 3.34 مليارات دولار عام 2024، وانخفضت الواردات من 17.56 ملياراً إلى 6.28 مليارات دولار، كما تراجع نصيب الفرد من الناتج من 2,731 دولاراً إلى 1,015 دولاراً. ولا يعكس انخفاض الواردات تحسناً في القدرة الإنتاجية، بل تراجعاً في القدرة على الاستيراد والاستهلاك. كما يكشف الانخفاض الأكبر في الصادرات ضعف قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي اللازم لتمويل المعدات والمواد المطلوبة للتعافي.

سيُقاس النجاح بحجم التدفقات المسجلة في ميزان المدفوعات، وعدد العلاقات المصرفية المراسلة، وقيمة الاعتمادات المستندية، ونسبة المشروعات التي وصلت إلى الإغلاق المالي والتنفيذ

كيف يمكن تحويل الفرصة إلى استثمارات فعلية؟

تبدأ الاستفادة من القرار بتوحيد تفسير القواعد الجديدة. فترك كل مصرف وشركة يحددان بمفردهما ما رُفع وما بقي سيؤدي إلى استمرار الامتثال المفرط. لذلك تحتاج السوق إلى مرجعية وطنية توضح الأطراف المدرجة، والمعاملات المسموحة، والسلع التي تحتاج إلى ترخيص، ومتطلبات التحقق من الملكية ومصدر الأموال والمستخدم النهائي.
ويتطلب الاندماج المالي أيضاً مراجعة جودة أصول المصارف، ومعالجة الديون المتعثرة، وتعزيز الرسملة والرقابة، وتطوير أنظمة الدفع والمعلومات الائتمانية والضمانات المنقولة والإفلاس. وقد خصص البنك الدولي في الشهر الماضي (أغسطي/ آب) منحةً بقيمة مائة مليون دولار لتحديث البنية المالية والأمن السيبراني والرقابة، وإجراء مراجعة مستقلة لأصول المصارف العامة والخاصة.وبالتوازي، ينبغي إعداد محفظة مشروعات قابلة للتمويل، تتضمن لكل مشروع وضع الأرض والتراخيص والكلفة ومصدر الإيرادات والطاقة والمياه وفرص العمل والمكوّن المحلي والمخاطر وآلية التعاقد. فالمستثمر لا يمول احتياجاً عاماً، بل مشروعاً يستطيع تقييم تدفقاته ومخاطره وإمكان استرداد رأسماله. كما يجب التمييز بين مذكرة التفاهم والعقد والإغلاق المالي والتنفيذ. فالإعلان لا يمثل استثماراً منفذاً، والعقد غير الممول لا يولد تدفقاً رأسمالياً. والمقياس الصحيح هو الأموال المحولة فعلياً، ونسبة الإنفاق المحلي، وعدد المشروعات التي دخلت التشغيل، والوظائف والصادرات التي ولّدتها.

السيناريوهات المتوقعة

في السيناريو المتحفظ، يؤدي رفع التصنيف إلى تحسن التحويلات وتمويل التجارة والسياحة وبعض الأنشطة العقارية، بينما يبقى الاستثمار الإنتاجي محدوداً بسبب ضعف المصارف والكهرباء والقضاء ومخاطر العملة. وقد تتراوح التدفقات الاستثمارية الفعلية، لأغراض التخطيط، بين 500 مليون ومليار دولار سنوياً.
أما السيناريو المرجح، فيفترض عودةً تدريجيةً للعلاقات المصرفية المراسلة والاعتمادات المستندية، وتحسناً في الكهرباء والقضاء التجاري، ودخول استثمارات إقليمية في الطاقة والنقل والصناعة والزراعة. وقد تتراوح التدفقات في هذه الحالة بين 1.5 و3 مليارات دولار سنوياً.
وفي السيناريو الإيجابي، تقترن إزالة القيود الخارجية بإصلاحات داخلية سريعة في المصارف والجمارك والضرائب والمنافسة والملكية، مع استقرار مؤسسي وتمويل إقليمي ومشروعات كبيرة في الطاقة والبنية الأساسية. وعندها قد تتراوح التدفقات بين 4 و6 مليارات دولار سنوياً.
وهذه النطاقات ليست توقعات رسمية، بل سيناريوهات تخطيطية تستند إلى حجم الاقتصاد وتدفقات ما قبل الحرب واحتياجات إعادة البناء. كما أن دخول الاستثمار لا يعني إضافة قيمته كاملةً إلى الناتج، لأن جزءاً منه سيذهب إلى استيراد المعدات والخدمات، بينما يعتمد أثره المحلي على سرعة التنفيذ ونسبة المكوّن المحلي وتوافر الطاقة وكفاءة المؤسسات.

الفرصة مفتوحة والنتيجة مشروطة

رفع سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب أنهى مرحلة الحظر العام والاستثناءات المؤقتة، وفتح مرحلة السماح المقترن بالتدقيق. وقد خفّض المخاطر القانونية والسيادية ومخاطر السمعة، وأصبح من الأسهل على المصارف والشركات تبرير التعامل مع سورية. لكنه لم يعالج تلقائياً مخاطر العملة والتحويل، ولم يُصلح المصارف، ولم يُخرج سورية من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي، ولم يحل مشكلات الملكية والقضاء والطاقة والبيانات.
لذلك يُرجح أن يبدأ الأثر بتراجع رفض التحويلات، ثم استعادة العلاقات المصرفية المراسلة، وعودة الاعتمادات المستندية وتمويل التجارة، قبل أن ينتقل إلى تنفيذ الاستثمارات ودخول المستثمر المؤسسي طويل الأجل. وسيُقاس النجاح بحجم التدفقات المسجلة في ميزان المدفوعات، وعدد العلاقات المصرفية المراسلة، وقيمة الاعتمادات المستندية، ونسبة المشروعات التي وصلت إلى الإغلاق المالي والتنفيذ، وحجم الوظائف والقيمة المضافة والصادرات التي ولّدتها.
لقد أزال القرار العائق القانوني الأكبر، لكنه نقل الاختبار إلى الداخل. فإذا استُخدمت المرحلة المقبلة لتوحيد قواعد الامتثال، وإصلاح المصارف، وتجهيز المشروعات، وحماية الملكية والعقود، يمكن أن يتحول الانفراج القانوني إلى اندماج مالي واستثمار منتج. أما إذا بقيت التشابكات المحلية من غموض الملكية وضعف القضاء والمصارف والبيانات، فسيظل رفع التصنيف شرطاً ضرورياً، لكنه غير كافٍ لتحويل الاهتمام بالسوق السورية إلى رأس مال منفذ.