سؤال المقاومة الشعبية... الضفّة الغربية وخياراتها

24 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:42 (توقيت القدس)
من اعتداءات المستوطنين المتكررة على الفلسطينيين، طولكرم 2025/11/11 (نضال اشتية/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- هبة الكرامة وتحديات المقاومة: في عام 2021، شهد الفلسطينيون هبة الكرامة كمقاومة شعبية، لكنها لم تستمر، وتركزت في نقاط محددة مثل الضفة الغربية. بعد أكتوبر 2021، تزايدت الاعتداءات الإسرائيلية، مما أدى إلى شعور بالإحباط.

- تصاعد العنف الاستيطاني: مع سيطرة اليمين الإسرائيلي، تزايد العنف ضد الفلسطينيين، حيث استخدم المستوطنون أسلحة حكومية وتلقوا تدريبات عسكرية، مما جعل عنفهم امتدادًا لسياسات الدولة، وتراجعت المقاومة الشعبية التقليدية.

- الانقسام السياسي: يعاني الفلسطينيون من انعدام الثقة في الفصائل السياسية، مما يعكس انسحابهم من الحالة الفصائلية وغياب إطار جامع للمقاومة، مما يزيد من معدلات الهجرة.

في إبريل/نيسان- مايو/أيّار 2021، انتفض الفلسطينيون في كلّ مكان بهبة الكرامة، كانت تلك حالة مقاومة شعبية شاملة، امتدت إلى كلّ التكوينات الفلسطينية في الداخل والشتات. لكن الهبة، رغم وحدتها العابرة للمناطق، لم تتحوّل إلى حالة تراكمية تؤسس لمقاومة شعبية مستدامة، بل على العكس تمامًا، أنتجت توجهًا لحالات مقاومة متموضعة في نقاط اشتباك محددة في الضفّة الغربية، مخيّمات شمال الضفّة، والبلدة القديمة في نابلس مثلاً.

ساد ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول شعور واسع بالإحباط وخيبة الأمل من غياب حالة شبيهة لهبة الكرامة، تلتحم فيها الضفّة الغربية والداخل والقدس مع قطاع غزّة. اعتبر بعضهم هذا الغياب "خذلانًا" شجع الاحتلال على "الاستفراد" بغزّة، لكن عمليًا، كانت الضفّة في قلب الحرب هدفًا منهكًا، فخلال العامين الماضيين، شن المستوطنون والجيش الإسرائيلي أكثر من 38 ألف اعتداء وصادروا نحو 55 ألف دونم من الأراضي، وأنشأوا 25 منطقةً عازلةً حول المستوطنات، وشرعنوا 11 بؤرةً استيطانيةً جديدةً. وهجر المستوطنون عبر الاعتداءات المباشرة 33 تجمعًا بدويًا بالكامل، لتتحول الضفّة الغربية إلى ساحة عنف استيطاني منظّم يهدف إلى تفريغ الأرض من أهلها.

يشير هذا المشهد إلى تناقض واضح بين الواقع على الأرض وحالة انكفاء المقاومة الشعبية، وهو انكفاء متراكم الجذور، ناتج عن سنوات من الإنهاك السياسي والاقتصادي والانقسام الداخلي، في واحدة من أكثر المراحل قسوةً على مسار القضية الفلسطينية.

المستوطنون في ذروة العنف

مع إحكام اليمين الإسرائيلي المتطرف سيطرته على كلّ ما يتصل بالاحتلال، تكرست شراكة غير مسبوقة بين الحكومة والمستوطنين، بتسلئيل سموتريتش؛ الذي يجمع بين حقيبتي المالية وشؤون الاستيطان في وزارة الجيش، وإيتمار بن غفير على رأس وزارة الأمن الداخلي "الشرطة"، مثّلا محورًا سياسيًا منح المستوطنين غطاءً رسميًا لتوسيع نفوذهم. عززت هذه البنية الجديدة تبادل الأدوار بين الجيش والمستوطنين، الأول يؤمن الغطاء العسكري، والثاني ينفذ الاعتداءات الميدانية. ومع تنامي حضور المستوطنين داخل الوحدات القتالية في الجيش، تحولت تنظيماتهم إلى ميليشيات منظّمة تمارس القمع تحت حماية القانون. وفق تقارير حقوقية، استخدم المستوطنون أسلحةً حكوميةً في 70% من هجماتهم على الفلسطينيين، كما تلقى أكثر من 80% منهم تدريبًا عسكريًا رسميًا، ما يجعل عنفهم اليوم امتدادًا مباشرًا لسياسات الدولة لا خروجا عنها.

هذا التراجع الحاد في الثقة يعكس انسحاب الفلسطيني من الحالة الفصائلية المتهالكة، فالدعوات المتكررة إلى تفعيل المقاومة الشعبية لم تعد تقنعه، لأنّها تفتقر إلى الأدوات والجدية

تقوم الاستراتيجية الاستيطانية اليوم على عزل الفلسطيني داخل معزله، بالقوّة والعنف، ومنع أي شكلٍ من أشكال "الفزعة"، أو الإسناد الجماعي، الذي كان يميز المواجهات الشعبية سابقًا ضدّ اعتداءات المستوطنين على المزارعين والرعاة والأراضي والمنشآت. ورغم تصاعد هذه السياسة بعد السابع من أكتوبر، إلّا أنّها كانت قيد التنفيذ قبل ذلك، ففي فبراير/شباط 2023، شهدت بلدة حوارة واحدةً من أبشع الهجمات المنظّمة التي نفذها المستوطنون، مجموعات من المستوطنين اجتاحوا البلدة، وأحرقوا عشرات المنازل والمحال والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، في حين وقف الأهالي عاجزين أمام قوّة المستوطنين النارية العنيفة. بعد أربعة أشهر فقط، تكرر المشهد في بلدة ترمسعيا شمال رام الله، لتتحول الاعتداءات إلى نمط ثابت من العنف المنظم، بات أشبه بـ"روتين استيطاني" يومي يطاول الضفّة الغربية بكامل جغرافيتها المفككة، من شمالها إلى جنوبها.

اليوم؛ بلغ عنف المستوطنين المنظم مستوىً غير مسبوق، يقوم على الاستهداف المكثف والدائم لبلدات فلسطينية محددة، في ما يشبه سياسة استنزاف ممنهجة. يتزامن ذلك مع تحويل الريف الفلسطيني إلى شبكة من المعتقلات المغلقة، تعزل عن أراضيها الزراعية، وتخنق بالحواجز والاقتحامات اليومية. في بلدة المغير مثلًا، يتبادل الجيش والمستوطنون الأدوار في إنهاك البلدة بالاقتحامات والاعتقال والإحراق وتدمير الأراضي الزراعية والقتل والعزل وتقييد الحركة.

أمام هذا المشهد، تبدو المقاومة الشعبية، بشكلها الكلاسيكي الذي ساد منذ انتفاضة الأقصى، عاجزةً عن مجاراة هذا العنف الدموي المنظّم. فلا الأدوات القديمة قادرة على الصمود، ولا نموذج جديد للمواجهة تشكل بعد، تاركةً الفلسطيني في مواجهة مفتوحة مع منظومة استعمارية تزداد عنفًا وتنظيمًا يوميًا.

تجفيف المجالين الميداني والرقمي

منذ السابع من أكتوبر؛ كثفت إسرائيل حملتها لقمع أيّ نشاط ميداني أو رقمي معارض، إذ اعتقلت ما يقارب 20 ألف فلسطينيًا، بينهم 202 صحفيًا، استشهد منهم 77 أسيرًا داخل السجون، في ما لا يزال نحو 11 ألفا معتقلين. جاءت هذه الاعتقالات بشكل مدروس، إذ استهدفت في موجتها الأولى النشطاء الميدانيين الفاعلين في تحريك الشارع، سواء على مستوى التظاهر، أو المقاومة الشعبية في مناطق التماس.

في الوقت نفسه، شددت سلطات الاحتلال رقابتها على الفضاء الرقمي، فتصاعدت أعداد المعتقلين على خلفية منشورات، أو تعليقات على منصات التواصل الاجتماعي، لتتحول هذه المنصات التي كانت في السابق محركًا رئيسيًا للشارع، إلى مساحة خاضعة للمراقبة والردع.

مع تشديد القبضة الميدانية، فعلت إسرائيل منظومة "المعازل" الاستعمارية، فقطعت الضفّة الغربية بأكثر من 900 حاجز وبوابة تفتيشية، وآلاف الكاميرات والمجسات المرتبطة بأنظمة الذكاء الاصطناعي، جاعلةً الحركة بين المدن والقرى شبه مستحيلة في كثير من الأحيان، فلم يعد تنظيم أيّ فعالية جماهيرية ممكنًا، وتقلصت مساحة التفاعل الاجتماعي والسياسي إلى الحدّ الأدنى، حتّى الجامعات التي طالما شكّلت فضاءً للحياة السياسية، اضطرت في فترات متقطعة إلى العودة إلى التعليم الرقمي بسبب صعوبات التنقل وكثافة الاعتقال اليومي. بهذه الإجراءات المترابطة استطاعت منظومة الاحتلال تجفيف المجالين الميداني والرقمي معًا، لتبقي الفلسطيني محاصرًا ويعيش عزلةً مزدوجةً.

الانقسام وغياب المشروع الوطني

يقف الفلسطينيون اليوم أمام الحركة الوطنية بيأس وغضب، متسائلين، ما الذي تريده الفصائل؟ وفق استطلاع رأي لمركز القدس للإعلام والاتصال نشر مطلع أكتوبر 2025، عبر 68.5% من الفلسطينيين في الضفّة الغربية عن انعدام ثقتهم بأيّ فصيل، في ما قال 61% إنهم لا يثقون بأي شخصية سياسية، وسط تشاؤم 59.6% من إمكانية تحقيق مصالحة فلسطينية.

هذا التراجع الحاد في الثقة يعكس انسحاب الفلسطيني من الحالة الفصائلية المتهالكة، فالدعوات المتكررة إلى تفعيل المقاومة الشعبية لم تعد تقنعه، لأنّها تفتقر إلى الأدوات والجدية، في المقابل يتصاعد الخطاب الثنائي الذي يستهلك الفضاء العام بين "النصر والهزيمة"، "الربح والخسارة"، في ما ينزاح الفرد الفلسطيني أكثر نحو خلاصه الفردي، ما يفسر ارتفاع معدلات الهجرة الملحوظ في الضفّة الغربية خلال العامين الأخيرين.

وفق تقارير حقوقية، استخدم المستوطنون أسلحةً حكوميةً في 70% من هجماتهم على الفلسطينيين، كما تلقى أكثر من 80% منهم تدريبًا عسكريًا رسميًا، ما يجعل عنفهم اليوم امتدادًا مباشرًا لسياسات الدولة لا خروجا عنها

ورغم أن الجمهور يتوقع من السلطة الفلسطينية دورًا أكبر في حماية الناس وتعزيز صمودهم، إلّا أن الواقع يعكس خيبة أمل واسعة، فبحسب الاستطلاع نفسه، عبر 73.3 % من الفلسطيينين عن عدم رضاهم تجاه موقف السلطة وأدائها خلال الحرب. هكذا يتعمق الشعور العام بالفراغ السياسي والمؤسساتي، في لحظة تتطلب إطارًا جامعًا يضبط إيقاع المقاومة الشعبية ويوجهها، من دون هذا الإطار تبقى المبادرات الفردية والمناطقية بلا بوصلة، تتآكل تدريجيًا تحت ثقل الانقسام وتراجع المشروع الوطني.

استراتيجية المستوطن ومأزق الصمود

تحول العنف الاستعماري إلى أداة رئيسية لهندسة المشروع الاستيطاني عبر التهجير والإحلال، تشير البيانات المختلفة إلى تهجير أكثر من 2300 فلسطيني من التجمعات البدوية خلال العامين الماضيين، مقابل إنشاء أكثر من 70 بؤرةً استيطانيةً جديدةً، يغلب على معظمها النمط الرعوي، الذي يهدف إلى توسيع السيطرة على الأرض والموارد.

اختلف الباحثون في توصيف أحداث عام 2021، ما بين هبة شعبية أو انتفاضة، لكن ما تلاها أظهر بوضوح أن ما جرى كان لحظةً مؤقتةً جرى تجفيفها استعماريًا، وأجهضت فلسطينيًا عبر الانقسام، أو بعدم البناء عليها مسارًا متراكمًا للمقاومة الشعبية. اليوم يقف الفلسطيني أمام مشهد تتقابل فيه استراتيجية المستوطن المنظّمة والمدعومة بمؤسسات الدولة، مع صموده الفردي المرهق والمنعزل. وبين هذين الحدين تغيب المقاومة الشعبية خيارًا حقيقيًا على طاولة السياسة الفلسطينية، لتحل محلها حالة ترقب وانتظار لما قد تحمله التحولات الإقليمية والدولية.
هكذا يواصل الفلسطيني تمسكه بالأرض على اعتباره فعل صمود يوميًا في مواجهة مشروع استيطاني يمتلك وضوح الهدف ووفرة الأدوات، ولا يزال هو يبحث عن مشروع وطني يعيد للصمود معناه الجمعي.

المساهمون