- تأتي الأخبار السارة غالباً من الخارج، مثل تعليق أو إلغاء عقوبات، وتُعتبر فرصاً للفرح والاحتفال، لكنها غالباً ما تكون قصيرة الأمد وتعود البلاد لمواجهة واقعها الصعب.
- الاحتفالات والإنجازات تترك أثراً مؤقتاً، لكن سرعان ما تنتهي صلاحيتها بسبب المشاكل المستمرة، مما يدفع السوريين لتطوير تقنيات للتعامل مع هذه التغيرات.
الأخبار الجيدة في سورية تشبه علبة اللبن الرائب في سوبر ماركت حارة فرعية، مكتوباً عليها بخط اليد: صالح لمدة خمسة أيام من تاريخ الإنتاج، تاريخ الإنتاج اليوم.
ترفع الروح المعنوية، تعطي إحساساً عميقاً بالزهو والارتياح، تُبهِت الحاقدين والشامتين وطويلي اللسان والانفصاليين والفلوليين والمهرطقين والعملاء. لكنّها للأسف، ومثل أي سلعة قصيرة العمر، أو علبة لبن، تدخلها بكتيريا الواقع وحموضة التركة الثقيلة، وتحوّلها إلى أخبار سيئة، وتجعلها غير صالحة للاستهلاك البشري. ما لم "تُقطف" في اليوم الرابع بكيس خام، و"تُدعبل" وتُغمر بالزيت، وتُخزّن للشتاء المقبل. وهو ما لا يجري واقعياً، لعدم ظهور أكياس خام لقطاف اللبنة حتى الآن داخل الأراضي السورية.
أفضل الأخبار القادرة على نشر "الحبور" تأتي من واشنطن. لذلك نتتبعها خطوة فخطوة، قانوناً فقانون، إشارة فإشارة، وعند كل مفرق في هذا الدرب الطويل نصبنا ساحة احتفال، ومددنا عليها شريط لمبات ورشّشنا الماء كي لا تثير دبكتنا الغبار.
لجنة فنية من وزارة الخزانة تعد اقتراحاً لتعليق أو إلغاء إحدى عقوبات سورية الكثيرة، نشدّ قبضاتنا ترقّباً كجمهور كرة قدم في أثناء تنفيذ ضربة جزاء، ملف "الوورد" الذي كتبت عليه مسودة القرار أُعطي أمر طباعة. نزغرد. الطابعة زقزقت، نتبادل البرقيات على "واتساب"، مسودة القرار خرجت من الديون، نرقص، المسودة في طريقها إلى الطابق الثالث، نعقد حلقات الدبكة. القرار صدر، يا للهول، ألحقنا الدنيا ببستان هشام.
مظلوم خلع البدلة، مظلوم أعلن انتهاء مهمة "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) وحلّها، والاندماج الكامل في مؤسّسات الدولة، مظلوم عبدي أصبح اسمه مصطفى خليل عبدي. تعالوا نفرح، هذه لحظة تشبه تحول أبو محمد الجولاني إلى أخينا أحمد الشرع في أثناء معركة جبل عبد العزيز، وتاريخ جديد يُكتب لسورية. نفرح، وهذا حقنا.
تترك الاحتفالات أثراً مشابهاً، وإن كان بعمر صلاحية أقصر، ولدى شرائح أقل. نفتتح أقدم معرض دولي في الشرق الأوسط في أقدم عاصمة ما زالت مأهولة في التاريخ، بمشاركة أعظم الشركات وأكبر الدول وأحدث التقنيات، تفرقع الألعاب النارية في الفضاء، وتضيء السماء بفرحة شعب يريد أي سبب ليفرح، وليسكّن قليلاً من قلقه المقيم القديم.
تنتهي صلاحية الأخبار هذه خلال أيام، سواءً كانت قادمة من واشنطن أو أبوظبي أو الرياض أو قصر الشعب أو القامشلي، أو حتى من السويداء. نصحو على شعور جديد، ينتمي بشكل أصيل لواقع يحمل في داخله إرث عقود من الخراب والدمار.
تنفجر مشكلة هنا، ويظهر عيب هناك، ينكشف زيف عقد استثمار هلّلنا له قبل شهرين، ويقول نائب أميركي إن عقبة تشريعية ستؤخّر القرار السابق، يكشف دبلوماسي سابق عن قضايا مرفوعة على سورية على مدى عشرات السنين، يتلاشى السرور، ويعود الغضب والقلق.
هذه حالنا منذ عام ونصف العام، اعتدناها، وطوّرنا سريعاً تقنيات التعامل معها، ووضعنا لها قواعد بروتوكولية، فحين يكون النجم صاعداً، عليك أن توقف الانتقاد، أن توقف "النقّ" كمواطن، أن تتوقف مهنة الصحافة عن أداء مهمتها الطبيعية، وهي كشف الأخطاء والإشارة إلى المخاطر، أن تتعامل مع أي كلمة سلبية على أنها فعل فلولي انفصالي.
اصبر قليلاً، هي بضعة أيام، ستنفكّ حلقة الدبكة، ومن صمّ أذنيه سماع النقد، سينكشهما بغصن شجرة، كي يسمعك جيداً.