عن شروط السلام السوري مع الدولة الصهيونية

28 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 07:57 (توقيت القدس)
دخان يتصاعد نتيجة غارات الاحتلال الإسرائيلي على محافظة السويداء السورية، 2025/7/15 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- اتخذ أحمد الشرع موقفًا مهادنًا تجاه دولة الاحتلال الصهيوني، مع تأكيده على إقامة علاقات طبيعية، بينما استمرت دولة الاحتلال في تصنيف هيئة تحرير الشام كتنظيم إرهابي واحتلال مناطق استراتيجية في سوريا.
- تعتمد إدارة الشرع على استراتيجية السلام مع دولة الاحتلال لتشريع سلطاتها، رغم رفض مبادرة السلام مقابل الأرض، وتوقيع بعض الدول العربية على الاتفاقيات الإبراهيمية، مع تراجع الشرع عن موقفه المهادن.
- تفتقر إدارة الشرع إلى موقف واضح بشأن المفاوضات، مما يثير تساؤلات حول الجولان، ويجب التمسك باستعادته والانتقال الديمقراطي لضمان شرعية داخلية.

اتخذ أحمد الشرع موقفًا مهادنًا من دولة الاحتلال الصهيوني منذ وصوله إلى دمشق، إذ أكد على سعيه إقامة علاقاتٍ طبيعيةٍ مع كلّ دول العالم، ومنها هذه الدولة. عكس ذلك تمسكت دولة الاحتلال بتصنيف هيئة تحرير الشام تنظيمًا إرهابيًا، وانسحبت من اتّفاقية فك الاشتباك عام 1974، واحتلت، ولا تزال تحتل، مناطق واسعة من بلدات القنيطرة ودرعا، كما سيطرت على جبل الشيخ الاستراتيجي، وتحاول فرض منطقة أمنية منزوعة السلاح في كامل المنطقة الجنوبية، في درعا والسويداء، ودمرت كامل البنية التحتية العسكرية بأكثر من 400 غارةٍ جويةٍ، ولم تتوقف حتّى اللحظة، واخترقت الأجواء السورية في حربها ضدّ إيران بالنصف الأول من شهر يونيو/حزيران 2025.

رغم ما سبق كلّه؛ لم يتغير موقف الإدارة السورية، ولم يعل صوتها، وقد مثّل ضغط العلاقة مع الإدارة الأميركية، وحث ترامب للشرع على الدخول في الاتّفاقيات الإبراهيمية، وحاجة سورية الماسة إلى رفع العقوبات عنها أحد أسباب انخفاض ذلك الصوت، مع أن هناك قراراتٌ دوليةٌ تؤكد حقّ السوريين بالمطالبة باستعادة الجولان كاملًا، ومنذ احتلاله في عام 1967، وقرارًا برفض ضمّ دولة الاحتلال للجولان عام 1981، وهو ما يجب أن تتمسك به إدارة الشرع، و"تناضل" دوليًا وعربيًا، وإقليميًا من أجله.

هناك استراتيجيةٌ قاصرةٌ لدى الدول العربية يتبناها الرئيس أحمد الشرع كما يبدو، تقول بضرورة السلام مع الدولة الصهيونية لتشريع سلطاتها مع الإدارة الأميركية، وهناك رداءةٌ في موقف هذه الدول تجاه الدولة الصهيونية، لا يغير من هذا، الموقف العربي الموحد في قمة بيروت عام 2002، وفحواه السلام مقابل الأرض، الذي رفضته الدولة الصهيونية. لكن لم تتمسك الدول العربية بموقفها ذاك، وتقوم بإلغاء اتّفاقيات التطبيع السابقة، بل وقعت بعضها الاتّفاقيات الإبراهيمية 2020، ولم تمثّل مأساة غزّة والحرب المدمرة، من 7 أكتوبر/تشرين الأول في 2023 سببًا جديدًا لإلغاء تلك الاتّفاقيات، وأيضًا لم يتنبه الشرع ذاته إلى أن تلك المأساة مستمرةٌ، ومن ثمّ، يضع إنهاءها شرطًا للسلام، أو كما تفعل السعودية مثلًا، حينما تؤكّد أن السلام مع دولة الاحتلال يتطلّب وقف الحرب على غزّة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة غير منقوصة السيادة، وهذا ما ترفضه إسرائيل. يبدو أنّ المفاوضات المباشرة في بعض الدول العربية والإقليمية، ولا سيّما في باكو، دفعت الشرع إلى التراجع عن ذلك اللين، والتمسك بالقرارات الدولية في أيّة مفاوضاتٍ للسلام وباتّفاقية 1974، وربّما هذا سببٌ لتفسير قصف جيش العدو قيادة الأركان في دمشق وفي السويداء ودرعا، وبالقرب من القصر الجمهوري مؤخرًا، مدعيةً حماية الدروز، في حين أنّ هدفها مد سيطرتها الأمنية على كامل جنوب سورية.

هناك تمييعٌ من قبل إدارة الشرع بموضوع المفاوضات الخاصّة بالحدود والاستقرار، أو شروط السلام، ولا نكاد نقرأ موقفًا واضحًا يتبناه السلك الدبلوماسي، وزير الخارجية بالتحديد، أو إعلاميو السلطة

إنّ تراجع الشرع النسبي، لا يعني أنّه غيّر استراتيجيته بالعلاقة مع دولة الاحتلال، إذ تستند الاستراتيجية تلك إلى رؤيةٍ قاصرةٍ، في أن شرعية الحكم خارجيةٌ بالضرورة، وكلّ حكمٍ قابلٌ للسقوط دونها، في تجاهلٍ أن الشرعية الحقيقية تتأتى من الشعب، كما أنّها تتطلّب تنازلاتٍ من قبل الأنظمة الحاكمة، وهو ما ترفضه تلك الأنظمة بشكلٍ أعمى. لذا يجعلها تأكيدها الشرعية الخارجية عرضةً لمختلف أنواع الابتزاز والمشروطية، وعكس ذلك تتيح لها الشرعية الداخلية. هل من الخطأ عكس الفكرة، والقول بأنّ سلطات الأنظمة لم تكن لتصل إلى الحكم لولا الغطاء الخارجي، ومن ثمّ مصدر شرعيتها الخارج؟ هذا التحليل يقود إلى نظرية المؤامرة، ومن ثمّ، سنتخطاها ونتمسك بالأولى، بأنّ المشكلة الحقيقية في استراتيجية الأنظمة العربية القاصرة، والشرع يتبناها.

إن التمسك باستعادة الجولان كاملاً، يجب أن يكون المدخل لأيّة مفاوضاتٍ أمنيةٍ حدوديةٍ، أو لاتّفاقية السلام، وهذا ما لم يعلنه الشرع بوضوحٍ. إن الحالة الكارثية التي تعيشها سورية، بلدًا مدمرًا، يجب ألا تدفع السلطة إلى الذهاب نحو السلام غير المشروط، ولا سيّما أن الدولة الصهيونية تؤكّد رفضها التراجع عن احتلال الجولان، ومن ثمّ، ربما تُحدّد للشرع أن الممكن الوحيد هو العودة إلى اتّفاق فك الاشتباك، والتخلي الكامل عن الجولان، وشروطٍ جديدةٍ تتعلق بالبقاء في جبل الشيخ وسواه. قد تدفع هشاشة أوضاع سلطة دمشق إلى خفض مطالبها، وهناك حراكٌ دبلوماسيٌ ليس استراتيجيًا للدخول في المفاوضات، ما يفتح على الأسئلة الخبيثة، وربما المحقة، بأنّ إدارة الشرع قد تعقد صفقةً سريةً تتنازل فيها عن الحقّ في الجولان قبالة العودة إلى فك الاشتباك وتأبيد ذاتها في الحكم. إن ضعف التغطية الإعلامية عن موضوع الموقف من الاتّفاقية، سببٌ كبيرٌ لأسئلتنا أعلاه، وهذا لم يتغير حتّى بعد أحداث السويداء.

تبدو الدولة الصهيونية صارمةً تجاه احتلال الجولان، والأن تريد فرض منطقةً أمنيةً على كامل الجنوب السوري، كما أنّ أيّ اتّفاقية سلام يجب أن تنطلق من هذا. إذ الخيار الوحيد لسلطة دمشق الآن هو رفض هذه الشروط، ورفض أن يصبح الجولان واحةً للسلام تحت السيادة الصهيونية؛ الجولان أرضٌ سوريةٌ، لا بد أن يعود إليها، والمنطقة الأمنية تمثّل سيطرةً كاملةً على العاصمة ذاتها، ومن ثمّ يجب رفضها. سيضع أيّ تراجعٍ عن هذا التفكير الشرع وإدارته في مشكلاتٍ متفاقمةٍ مع الشعب السوري، الذي يؤكّد سُورية الجولان وكلّ أرضٍ سورية.

هناك تمييعٌ من قبل إدارة الشرع بموضوع المفاوضات الخاصّة بالحدود والاستقرار، أو شروط السلام، ولا نكاد نقرأ موقفًا واضحًا يتبناه السلك الدبلوماسي، وزير الخارجية بالتحديد، أو إعلاميو السلطة. هذا التمييع يراد منه تمرير الوقت، ومراقبة مواقف السوريين العامة، وحثهم على قبول استراتيجية إدارة دمشق في العلاقة مع الدولة الصهيونية، ولا سيّما أن موضوع التنازل عن الجولان، والصرامة الصهيونية في ذلك تدين صمت الإدارة. ربما تتوهم الإدارة أنّ السوريين الغارقين في مختلف المشاكلات قد يصمتون تجاه اتّفاقية سلامٍ منقوصةٍ، تتخلى فيه عن الجولان، أو يسمحون بمنطقةٍ أمنيةٍ، ستكون مرفوضةٌ هذه الأوهام، وقد تؤدي إلى اغتيال الشرع ذاته، ومن ثمّ الصحيح أن تتمسك إدارة الشرع باستعادة الجولان أولاً، ومن ثمّ يمكن الحديث عن السلام. يجب أن تتخلص الإدارة من رؤيتها القاصرة، في أنّ شرعيتها تأتي من الخارج، كما ذكرنا من قبل.

إن البدء بخطواتٍ نحو الانتقال الديموقراطي في سورية، وإشراك الشعب في النهوض بالدولة، وضمان الحريات والتعددية هو ما سيؤمن شرعيةً داخليةً للنظام، وسيتيح له محاصرة أيّة اتجاهاتٍ سوريّةٍ تستعين بالخارج، أو سيجعلها معزولةً شعبيًا. إن هذه الخطوات، ستجعله قادرًا على الوقوف تجاه الشروط الخارجية، وتجاه الشروط الصهيونية، وعكس ذلك في حال استمرت إدارة الشرع، كما تفعل، في فرض هيمنتها الكاملة على الدولة، وبالتالي ستتكاثر أسباب التذمر والاحتجاج، والآن أصبحت السويداء بحالة عداءٍ مع إدارة دمشق بسبب حملته العسكرية التي حاصرتها، وسمحت بمختلف أشكال الانتهاكات ومنها المجازر. هناك فشلٌ كبيرٌ في تجاوز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وكلّ ما يتصل بها، وهناك استئثارٌ بكلّ المؤسسات، التي تقود المرحلة الانتقالية، وإذا أضفنا غياب موقفٍ دقيقٍ تجاه شروط الدولة الصهيونية للسلام فإن إمكانية حدوث مشكلاتٍ أمنيةٍ تهدد السلطة ذاتها هو أحدّ السيناريوهات المتوقعة.

إنّ تراجع الشرع النسبي، لا يعني أنّه غيّر استراتيجيته بالعلاقة مع دولة الاحتلال، إذ تستند الاستراتيجية تلك إلى رؤيةٍ قاصرةٍ، في أن شرعية الحكم خارجيةٌ بالضرورة، وكلّ حكمٍ قابلٌ للسقوط دونها، في تجاهلٍ أن الشرعية الحقيقية تتأتى من الشعب

الجولان لن يكون واحةً للسلام تحت السيادة الصهيونية، هو أرضٌ سوريةٌ، وشعبه جزءٌ من الشعب السوري، واستعادته ما ستسمح بالسلام فقط، وضمن خطةٍ عربيةٍ لإقامة الدولة الفلسطينية. هذا هو شرط التفاوض، ومن ثمّ، تخطئ سلطة دمشق إن بدأت مفاوضاتٍ مباشرةً، والأفضل أن تظلّ غير مباشرةٍ، وبما يعيد حق السوريين بأرضهم المحتلة منذ 1967، وخارج الأراضي السورية المحتلة، ولا سيّما بعد نشر تقارير تؤكّد حدوث بعض اللقاءات التفاوضية في أراضي الجولان المحتل.

حاول هذا النص مناقشة بعض أوجه هذه القضية المعقدة، وهناك قضيةٌ دستوريةٌ لا يمكن تجاوزها، إنّ قضية العلاقة مع الدولة الصهيونية تتطلّب إجماعًا شعبيًا، وتغييرًا دستوريًا، وهذا لا يمكن تحقيقه قبل إجراء انتخاباتٍ عامةٍ لرئاسة مجلس الشعب خصوصًا، وبناء مؤسساتٍ سياسيةٍ شرعيةٍ، وهذا سيحدث بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، أي بعد خمس سنواتٍ، حينها يمكن طرح القضايا أعلاه، وسوى ذلك؛ سيظلّ فاقدًا للمشروعية الدستورية، ولموافقة الشعب.

المساهمون