- لوحاته تُظهر شخوصًا في حالة تأمل، معبرة عن فلسفة تتجاوز المظاهر المادية إلى عمق الأفكار والمشاعر، حيث يُجسد مواقف حسية ويُعبر عن قضايا وجودية باستخدام الألوان والخطوط.
- يُحول المدرِّس الحياة إلى رسم وألوان للتأمل، حيث تتعانق الألوان في هندسة تجريدية، معبرة عن معاناة مأساوية وتجربة فلسفية تتجاوز الكلام، مما يُثير التفكير في عقول المشاهدين.
فاتح المدرِّس (1922- 1999) الذي درس في أكاديمية الفنون في روما من سنة 1954 إلى 1960 يعد من أهم الفنانين السوريين على الإطلاق.
رُسومه كأنَّها مسائلُ رياضية تُحيلنا إلى طبيعةٍ فيزيائيةٍ بريئة، قد لا تقومُ بدورٍ معرفي، ولكنَّها تبعثُ الفرحَ في النفس نحو تحقيق شيءٍ من السعادة، فتشعرُ أنَّه عَالِم طبيعة مسكونٌ بالأرواح، وأنَّها- الطبيعة، على تجريدياتها كأنَّها ليست من المادة الجسدية. لننظر طويلاً وعميقاً في لوحاته التي قد يبلغ طولها عدَّة كيلو مترات، فسنجد أنَّ شخوصه هم في حالة تفكير، دائماً يفكرون، ودائماً في حُمَّى، في الذروة القصوى من وجودهم: "أَعْمالُك تُراوِح بين التجريد الرصين ووجود الطبيعة كما نراها في الحلم، حتى إنسانك يتمتّع بالقوَّة والغرابة والصمت". هكذا قال جان بول سارتر لفاتح المدرس عندما اقتنى ثلاث لوحات من أعماله من معرضه في غاليري "شيكي" في روما.
في الشكل المُجرَّد، ثمَّة مكانٌ إقليديٌّ تنبثق فيه أحداثٌ وأشكالٌ خارجةٌ عن حجمها ومساحتها ووزنها الطبيعي؛ فالفنان فاتح المدرِّس يُجرِّد لصالح الفكرة، ليُجسِّد مواقف حسيَّة تحتل اللوحة، نَقبض من خلالها على أفعال شخوصٍ تختلف تماماً عن شخوص الواقع. إنها الشخوص الفكرة، والأفكار التي تشكّل مقطعاً بصرياً متكاملاً.
فاتح المدرِّس في رسومه يرمينا بحجارة بركانية، يريدنا أن نرتعد، هو يكوينا بنواةٍ نارية، يريدنا أن نفكِّر. فالفنون عموماً- والرسمُ منها، دعوةٌ للتأمُّل، وللتخلُّص من حالة الملل والكآبة والخمول، ومن الاستسلام لصناعة القوَّة الباطشة. وفاتح المدرِّس ليس كأيِّ فنَّان، هو يحتجزُ الفلسفة في لوحاته- شارك عام 1962 مع الفنانَيْن الرسامَيْن محمود دعدوش وعبد العزيز علون بنشر أوَّل بيان فني للفلسفة الجمالية في الفن العربي- هو يتفلسف، وعنده حجج فكرية. عقلاني لكنَّه يذهب أو يعيش الجنون، هو يجادلنا جدلاً نقضياً؛ الحريَّة ضرورة، الرسم ضرورة فلا نبقى أمَّة تعيش لحظة سلب فلا نذهبُ إلى الوجود، كأنَّنا في صيرورة موت.
عندما كان طفلاً تحمله جدَّته على ظهْرها، سمع طلقات رصاص عَلِمَ فيما بعد أنها الرصاصات التي قُتِل بها والده في مشاجرة غير متكافئة
أسئلةُ وجود هي تلك التي تملأ فضاء لوحاته. وهي أسئلةٌ علمانية لا لاهوتية، هي مسائل، وليس مقولات. لنقرأ خطوطه المنحنية والمستقيمة، سطوحه الملوَّنة بالأحمر والأزرق، وذاك الذهبيُّ الذي يحيل إلى الفكر- التفكير. سطوح، صورة تُمثل فرجة، وعياً- وعيٌ يقوده لأن يملأ بعض مساحات سطوحه بالتراب؛ كالتراب الذي نطأه بأقدامنا، والذي حين نُعْدَمُ، نموت؛ نؤول إليه. التراب الذي يمثل فناءنا مثلما فيه وجودنا، مثلما يحطَّه؛ يرشُّ به لوحاته. فاتح يريد أن يمسك أو يقبض على الأفكار والمشاعر والأحاسيس التي كانت في الجسد قبل أن يتحوَّل/ يصير تراباً. الأفكار تُراب، التراب يتلوَّن، كأنَّه يُحيلنا إلى مسألة رياضية. التراب يُفكِّر. تُرى ما الذي يحدث لو أنَّ التراب لا يُفكِّر؟ ماذا نفعل بترابٍ كان روحاً في جسدٍ لا يفكِّر. في رسومه نرى شخوصه وهم في حالة تأمُّل، في حالة تفكير. وكأنَّ فاتح المدرِّس يتقصَّدُ ذلك؛ هو ابن العائلة الإقطاعية السورية الذي وُلِدَ في حلب لأُم كُردية ترمَّلت مُبكراً. يذكر المدرِّس أنه عندما كان طفلاً تحمله جدَّته على ظهْرها، سمع طلقات رصاص عَلِمَ فيما بعد أنها الرصاصات التي قُتِل بها والده في مشاجرة غير متكافئة، إثر خلاف عائلي على الأرض في قرية "حريتان" شمال حلب، ليرفق بعد ذلك أمَّه الفلاحة البسيطة عائشة البرازية إلى مكان أخواله على الحدود السورية التركية. وتأتي رؤيته الفنية لتخفي الملامح المباشرة؛ فلا يُصوِّر الفرحَ، أو الألمَ، أو التعبَ، أو السعادةَ، أو الحزنَ، أو البطولةَ، أو الخيانةَ، بل يُصوّر الجرائمَ التي ارتكبها التراب. إن فاتح يلقي بالفكر في اللوحة/التراب؛ هو لا يضع الفكر في قفص اللوحة، بل يتركه يختلج ليتخلَّص ويتطهَّر من الخوف والجُبن، فيتحرك ويحكي، لا يختفي بل يظهر. فالتراب كان جسداً رشيقاً قبل أن يصير تراباً. فاتح المدرِّس لم يرسم مومياءات؛ أجساداً احتفظت بشكلها بعد أن جفَّ الماء فيها. هو رسمَ الجسد، لمَّهُ ذرَّة ذرَّة؛ ذرَّات، مَسْرحَه، راح إلى التكتُّل والالتحام بعد أن كان قد انحلَّ، تحلَّلَ إلى مادة صلبة، مادة ترابية كان فيها (روح).
فاتح يحيل الحياة إلى رسم، إلى ألوان للتأمُّل، إلى بياض وسواد تتعانق وتتضارب في هندسة تقوم بتكوين تجريدٍ جديد
فاتح المدرِّس التراب عنده فيه طاقةٌ. بل فيض ربَّاني، فيه ألوان ملتهبة تتنفَّسُ منه أرواحنا – التراب ليس كالنار التي لمَّا تنحل تصير دخاناً. هكذا يتعامل فاتح المدرِّس مع التراب رغم كثرة استهلاكه واستعماله وشيِّه- خاصة شيِّه باعتباره وسيلة تجريد.
ارتجالات، هي ارتجالاتٌ تلك الرسوم الشخوص. وربَّما هي صلاة. فاتح المدرِّس عندما يرسم يغرق في الزمان والمكان حتى ليُضحِّي بعقله فتراه وقد دخل في سكرٍ شيطاني- هكذا رأيتُه وهو يرسمُ في مرسمه- قبو، في ساحة النجمة بدمشق، في سهراتٍ ولقاءاتٍ كانت تجمعنا مع رسامين وشعراء ومسرحيين سوريين وعرب. ارتجالات كان يرمينا فيها بنيازك وأحجارٍ سماوية تشجُّ رؤوسنا فنفكر، كان يرسم، وكان يترك اللوحة في حالة ولادة، وينتقل إلى آلة البيانو ليعزف؛ يرسم ويعزف.
الرسم تحدٍّ، جرأة، شجاعة، انفجارات، معاناة مأساوية، خبزٌ مقدَّس. فاتح يحيل الحياة إلى رسم، إلى ألوان للتأمُّل، إلى بياض وسواد تتعانق وتتضارب في هندسة تقوم بتكوين تجريدٍ جديد؛ سطوح، أحجام، ولادة، ورسومه ما تزال ترنُّ رنينها العضوي حين رَسمها، فنرى ونسمعُ أنغامها وهي تنتقل من تمتمةٍ صوتية إلى تمتمة بصرية، كأنَّ أرواحاً تسكنها. تعالوا نلمسها ونتحسَّسها، فنرى الضوءَ ينتشر ويذوب في اللوحة ذوبان النهر في البحر. فاتح حين يرسم هو يزلزل، يهزُّ كياناتنا. فألوانه لها أعصاب ولها رئة؛ تشهقُ وتزفرُ- تُفكر، ثانية تُفكِّر. وهذه هي شخصيته، فنَّان مُفكِّر، فاتح المدرِّس يميل إلى الفكر؛ إلى العقل فيجرِّد الجسد أو أجزاءه أو أطرافه حين يرسمه من الغرائز، فاتح المدرِّس يرسمُ الفكر، يرسمُ الأمل، يرسمُ تلك البروق الإشراقية؛ الوجد، الحلم، النور، وأنَّه كان يعيشُ تجربةً فلسفية ما بعد كلامية.