في البحث عن العدالة

25 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:15 (توقيت القدس)
أمام قصر العدل بحلب الذي شهد أول جلسات محاكمة متهمين في أحداث الساحل (18/11/2025فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- المحاكمات العلنية في الساحل السوري تُعتبر صورية من قبل منتقدي السلطة في دمشق، بينما يراها آخرون خطوة نحو الاستقرار رغم الشكوك حول شفافيتها.
- تقرير لجنة تقصي الحقائق يُظهر عدم اتهام السلطة مباشرة بالجرائم، بل تورط عناصر من فصائل محسوبة عليها، مما يفرض مسؤولية غير مباشرة على السلطة.
- اعتقال أربعمائة مشتبه بهم يُعتبر واجبًا وليس فضيلة، والمحاكمات العلنية تُعد خطوة إيجابية نحو العدالة، ويجب التعامل معها بموضوعية لتحقيق الأفق المنشود.

ببساطة، المحاكمات العلنية لمتّهمين في ارتكاب جرائم قتل عسكريين ومدنيين، بأبعادٍ طائفيةٍ وغيرها، في الساحل السوري في مارس/آذار الماضي، صوريّة عند الناقمين على مجرّد وجود السلطة القائمة في دمشق، وكارهيها، ولا يجدون فيها سوى الرزايا والأخطاء والخطايا والعيوب، من دون أي تصوّر لبدائل ممكنة لديهم، ذات أهلية، وعلى شيءٍ من الشرعيّة. وهي محاكماتٌ جدّيةٌ يمكن البناء عليها لدى من يروْن في هذه السلطة مقادير وازنةً من الشرعية السياسية، تُنتقد من مدخل الحرص عليها، باعتبار وجودِها ضمانةً مهمّةً في المرحلة الانتقالية الصعبة، شديدة الحساسية، التي تعبُر فيها سورية إلى ضفافٍ مأمولةٍ من الأمن والاستقرار والتقدّم. ... ومع نواقص تشريعيّة، وأخرى إجرائيّة، يعرفها المختصّون من أهل القانون، في المحاكمات التي بدأت في حلب الأسبوع الماضي، ومع ملاحظاتٍ لها وجاهتُها في هذا التفصيل وذاك، يمكن القول إن ثمّة بعض الوجاهة في نقصان الثقة والموثوفية تجاه السلطة، في الذي بادرت إليه، عندما اختارت أن تكون هذه المحاكمات علنيّة (من دون إشهار صور المتّهمين عند استجوابهم)، قياساً على وقائع سابقة لم تتوفّر على كل شروط الشفافية ومعايير المحاسبة المأمولة. غير أن هذا "الإحساس" لا يُجيز استباق الأمور، وإعلان المواقف من دون اكتراثٍ بما ستنتهي إليه هذه المحاكمات، عدا عن أن "الشبهة" ليست سلوكاً سياسياً، ولا يحسُن أن تكون خياراً في كل أمرٍ وشأنٍ ومسألة.
وللمحاججة، لمن شاء أن يُحاجج، يوفّر تقرير لجنة تقصّي الحقائق في أحداث الساحل (قتل فلول نحو 240 رجل أمن وقتل نحو 1400 سوري مدني من الطائفة العلوية)، والمعلن في يوليو/تموز الماضي، على كثيرٍ من أسباب التعامل مع السلطة بخصوص ملفّ هذه الأحداث بغير صيغة الرفض والاستخفاف والفوقية، وكأن الحقائق عند طرفٍ واحد وحيد. وقد تقاطع كثيرٌ من نتائج اللجنة مع تقارير مستقلة دولية (لمنظّمة العفو الدولية مثلا)، والتقت جميعها في أنها لم تتهم السلطة بمسؤوليةٍ مباشرة، ولم يقرّر أي منها أن الذي ارتكتبه عناصر فالتة في فصائل محسوبة على السلطة (وبعضها منضمّة في وزارة الدفاع) كان بتوجيهاتٍ مباشرةٍ من السلطة التي تبقى في موضع المسؤولية غير المباشرة، ومطالبةً، في الأول والأخير، بتيسير كل سبل الوصول إلى الحقيقة، ومحاسبة كل مرتكبي الجرائم والفظاعات المروّعة. 
... ليس فضيلة من السلطة أنها اعتقلت نحو أربعمائة من المشتبه بتورّطهم في ارتكاب القتل والحرق والنهب في مدن وبلدات في الساحل، فهذا من أولى واجباتها البديهية. ولا يجوز افتراض من يفترضون أن شقّ مجرى العدالة في سورية، بالتحقيقات والأخذ بكل مقتضيات القانون، يأتي لتلبية استحقاقات خارجية، ولإرضاء الولايات المتحدة وعموم الغرب، في سبيل تمكين السلطة الراهنة وتظهير صورةٍ إيجابية لها. ولا يليق، في الوقت نفسه، استخفاف بعضٍ من حاملي السلّم بالعرض بكل إجراءٍ تعمل عليه السلطة، وبكل خطوةٍ تبادر إليها، وكأنها لا تصنع شيئاً، ولا تحاول، في ظروفٍ شديدة الصعوبة والتعقيد، إنقاذ البلاد من المستحيل الذي ورثته من نظام الاستبداد والفساد المعلوميْن. ولا يحسُن التهوين من خطوات المسار الذي مضت فيه بشأن أحداث (مجازر) الساحل المهولة، ومنها المحاكمات العلنية التي تأتي بعد جهد طويل وصعب، أدّته وزارة الداخلية والأجهزة المختصّة للقبض على كل مشتبهٍ به في ارتكاب تلك الجرائم. وأياً يكن الحال، الأمور بخواتيمها، وإنْ لا يرى بعضٌ هنا وهناك إلا بداياتٍ (ما هي بالضبط؟) لا تؤدّي إلا إلى الخواتيم التي في أفهامهم.
لا شطط في القول إن العلنيّة (المحدودة) للمحاكمات التي بدأت أخيراً، وستأخذ وقتاً لن يكون قصيراً، مؤشّر إيجابيٌّ ومحمود، يستحقّ التعامل معه بتعيين النواقص والمثالب والمؤاخذات الممكنة، الإجرائية والقانونية والإعلامية، بالتوازي مع تعيين المنجزات المتحققة منه، وكل مداخل المصداقية وإمكانات العدالة المأمولة. أما المرابطة في مواطن التشكيك والاتهام والانتقاص والتهوين، وفي المبالغات والافتراضات التي لا شواهد عليها، وفي التربّص الذي لا صلة له بالنقاش السياسي ولا بالدور الرقابي للمثقف والناشط والإعلامي، فذلك كله لا يأخذ سورية والسوريين إلى الأفق المشتهى، والله أعلم.

المساهمون