في بيتنا "أوزبك"

12 مايو 2026   |  آخر تحديث: 09:45 (توقيت القدس)
طفل أوزبكي في حافلة في طريق العودة من شرق سورية إلى بلاده (29/5/2019 فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- شهدت إدلب توتراً بعد اعتقال عنصر أوزبكي، مما أبرز قضية المقاتلين الأجانب، خاصة الأوزبك، الذين شكلوا كتائب جهادية في سوريا.
- الأوزبك أصبحوا جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي، مما يجعل التعامل الأمني وحده غير كافٍ، ويثير قلقاً إقليمياً ودولياً.
- تتجه السلطات لتفكيك البنى العسكرية ودمج من يمكن دمجه، مع مراعاة العائلات المستقرة، مما يثير تساؤلات حول هوية الدولة السورية المقبلة.

شهدت إدلب قبل أيام توتراً أمنيا على خلفية اعتقال قوات الأمن في المدينة عنصرا أوزبكيا تابعا لوزارة الدفاع السورية، ثم تبع هذا تجمع لعشرات المقاتلين من الجنسية الأوزبكية أمام فرع الأمن الجنائي في المدينة للمطالبة بالإفراج عنه، ما دفع السلطات إلى إرسال تعزيزات عسكرية وأمنية ورفع الجاهزية داخل المدينة. 
صحيح أن هذا التوتر لم يؤدّ إلى حدوث اشتباكات مسلحة، لكن الحادثة أعادت إلى الأذهان ملف المقاتلين أو "المجاهدين" الأجانب، وفي مقدمهم الأوزبك الذين راكموا حضوراً كثيفاً ومؤثراً في المحافظة خلال سنوات الحرب.
قد تبدو الحادثة في ظاهرها إشكالاً محدوداً يتعلق باعتقال فرد، لكنها في جوهرها تكشف عن علاقة توجس وشكوك بين سلطة تسعى إلى فرض احتكارها السلاح ومجموعات مسلحة اعتادت العمل باستقلالية نسبية، وتمتلك خبرة قتالية وروابط تنظيمية عابرة للحدود.
لقد بدأ حضور هؤلاء "الأوزبك" منذ السنوات الأولى للثورة السورية، حين جذبت ساحة القتال مقاتلين من آسيا الوسطى، ولا سيما من أوزبكستان وقرغيزستان وطاجيكستان. ومع تصاعد الحرب، تشكلت كتائب وفصائل ذات غالبية أوزبكية، بعضها حمل أسماء دينية وتبنّى خطاباً جهادياً عابراً للجغرافية الوطنية، وقد تمركز هؤلاء خصوصاً في إدلب وريف جسر الشغور، ومنهم من تم إسكانه في قرى كانت تسكنها الأقلية الشيعية في المحافظة قبل تهجيرهم من المحافظة مثل "الفوعة" و"كفريا"، حيث وجدوا بيئة مناسبة. 
واليوم، وبعد مرور سنوات على وجودهم، صار لأوزبك سوريّة حياة اجتماعية، تزاوجوا وأنجبوا أطفالاً، ونسجوا شبكات اقتصادية، وهناك مقابر لهم تضمّ العشرات من قتلاهم. كل ذلك جعلهم جزءا من المشهد المحلي، وإن ظلوا منفصلين ثقافياً وسياسياً عن المجتمع السوري الأوسع. ولهذا لا يقتصر الحديث عنهم اليوم على بضع مئات من المقاتلين، بل يشمل تجمعات بشرية متماسكة يصعب التعامل معها بالمنطق الأمني وحده.
اليوم، ومع سعي الإدارة الجديدة إلى بناء دولة مركزية، يصعد هذا الملف إلى الواجهة. فوجود مجموعات أجنبية مسلحة، ذات ولاءات سابقة ومتعدّدة، يتناقض بطبيعته مع مشروع الدولة الحديثة، كما أن هذا الوجود يثير حساسيات إقليمية ودولية، إذ تنظر بعض الدول مثل روسيا والصين بعين القلق إلى بقاء شبكات جهادية منحدرة من أراضيها في سورية.
من هنا يمكن فهم سرعة إرسال التعزيزات الأمنية إلى إدلب بعد احتجاج المقاتلين الأوزبك. الرسالة تبدو واضحة، حيث لن يُسمح لأي جماعة، مهما كان تاريخها أو دورها السابق، بفرض أمر واقع داخل المدن أو الاعتراض المسلح على قرارات الأجهزة الرسمية. وفي المقابل، يدرك صناع القرار أن الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع هذه المجموعات قد يفتح جبهة داخلية غير مرغوبة. عدا عن ذلك، هناك من هو متعاطف معهم من المجتمع المحلي على خلفية "التضحيات" التي قدموها في المعارك ضد نظام بشار الأسد.
ويبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً لطريقة تعاطي السلطات مع هذا الملف هو الجمع بين الحزم والتدرج، أولا من خلال تفكيك البنى العسكرية المستقلة، ودمج من يمكن دمجه، ثم تحييد القيادات الأكثر تشدداً. غير أن نجاح هذا المسار يحتاج إلى مقاربة سياسية واجتماعية، لا أمنية فقط، تأخذ في الاعتبار وجود عائلات وأطفال ومستقرين منذ سنوات. 
وفي سياق موازٍ، يطرح هذا الملف أسئلة أوسع تتعلق بهوية الدولة السورية المقبلة وشكل علاقتها مع الفاعلين غير السوريين الذين باتوا جزءاً من واقعها خلال سنوات الحرب. فالتحدي لا يكمن فقط في ضبط السلاح، بل أيضاً في إعادة تعريف الانتماء والولاء ضمن إطار وطني جامع، يوازن بين ضرورات الأمن ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي، ويمنع تحوّل هذه المجموعات إلى قنابل مؤجلة في أي مرحلة انتقالية مقبلة.