- النقاش حول قانون جديد للأحزاب يأتي في ظل التحولات الكبرى في سوريا، حيث تسعى النخب لإعادة تأسيس نظام سياسي يضمن التعددية والتداول السلمي للسلطة، وسط تباين الآراء حول توقيت إصدار القانون.
- إصدار قانون ناظم للأحزاب يعد ضرورة لتأسيس عملية تنافس منظمة، ويهدف لمنع تشكيل أحزاب على أسس دينية أو طائفية، مما يسهم في تجاوز الانقسامات وضمان انتقال ديمقراطي فعّال.
ليست الحياة السياسية جديدة على السوريين، ولا الأحزاب السياسية كذلك، إذ تعود بدايات تشكيل الأحزاب في سورية إلى العقود المتأخرة من العهد العثماني، ثم اتخذت شكلاً أكثر وضوحاً وتنظيماً بعد انهيار السلطنة العثمانية عام 1918، وعرفت الأحزاب فترة من الانتعاش خلال فترة الانتداب الفرنسي، وأدّت أدواراً مهمّة في مرحلة الاستقلال، وكان البرلمان السوري رمزاً لدورها ونشاطها.
يمكن القول إنّ نشأة الأحزاب السياسية في سورية، ارتبطت بالتحولات الكبرى التي شهدتها، وفي مقدّمتها النضال من أجل الاستقلال، ومواجهة الانتداب الفرنسي، وبناء الدولة الوطنية. لكن التجربة الحزبية السورية لم تفضِ إلى نظام ديمقراطي مستقر، بل أدت الانقلابات العسكرية، والتدخلات الخارجية، ثم هيمنة الحزب الواحد، إلى إضعاف التعددية السياسية، التي صادرها نظام الأسد البائد بممارساته القمعية.
ويمكن القول أيضاً إنّ النقاش الدائر بين نخب سورية حول إصدار قانون جديد للأحزاب لا يأتي من فراغ، بل في سياق مرحلة التحول الكبرى التي تمرّ بها سورية الجديدة، وتقتضي إعادة تأسيس نظامها السياسي، واستئناف تاريخ طويل من التجربة الحزبية، بما ينهي المصادرة القسرية التي قام بها نظام الأسد، ويفضي إلى استعادة التعددية السياسية، ضمن نظام مؤسّسي، يضمن التداول السلمي للسلطة، ويمنع احتكار مؤسسات الدولة من أي حزب أو جماعة.
يتزامن النقاش حول إصدار قانون ينظم الحياة السياسية الحزبية مع بدء الدورة الأولى لمجلس الشعب الجديد، الذي عقد أولى جلساته في 12 الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، إذ تعالت أصوات تنادي بأن تترجم الإدارة الجديدة وعودها بإطلاق الحياة السياسية عبر إصدار قانون عصري ينظم عمل الأحزاب، لكن أصواتاً أخرى طالبت بتأجيل إصداره في انتظار نضج الظروف، لاعتبارات أمنية واجتماعية وسياسية.
الأهمية الخاصة لإصدار قانون ناظم للأحزاب السياسية ليست في أنه استحقاق قانوني، أو لأن الإعلان الدستوري المؤقت أكد الحق في تشكيل الأحزاب وحرّية العمل السياسي، بل في أنه يشكل اختباراً لمدى جدّية السلطة في استكمال مسار الانتقال السياسي، إذ يمثل ضرورة سياسية لتأسيس عملية تنافس منظّمة داخل المؤسسات والمجتمع، وإنهاء حالة النشاط السياسي خارج السياق القانوني أو في أطر غير رسمية.
لا يعني تنظيم الحياة السياسية الحزبية القفز فوق التحديات المعقدة للوضع في سورية، وفي مقدمتها الوضع الأمني غير المستقر، والانقسامات الجغرافية والسياسية، وتعدد القوى المحلية والاجتماعية، وفوضى انتشار السلاح وسوى ذلك. لكن لا وجاهة للاعتراض على هذا الاستحقاق بحجة انتظار التوقيت المناسب لإطلاقه، لأن غياب قانون للأحزاب يستدعي فراغاً سياسياً يصعب ملؤه بوسائل أخرى. ولا تختزل الأحزاب بتصويرها كتجمعات سياسية، يتنافس فيها سياسيون على مقاعد السلطة ومواقع النفوذ، بل تشكل بنية سياسية واجتماعية أساسية، تسهم في انتقال المجتمعات من فضاء الفردية، والروابط ما قبل المدنية، إلى فضاءات الانتماء المدني القائمة على المواطنة والمشاركة الفاعلة في المؤسسات وإدارة الشأن العام. بمعنى أنها تُشكّل أحد إبرز أوجه العمل السياسي، وأداة أساسية لتنظيم المشاركة الشعبية، إذ تمهد المنافسة بينها، على أساس البرامج والسياسات، خطوة ضرورية على طريق الانتقال الديمقراطي.
تحتاج سورية قانوناً للأحزاب، يحول دون تشكيل أحزاب تقوم على أسس دينية أو طائفية أو عرقية أو مناطقية، ويسهم في تجاوز حالات الانقسام والاستقطاب داخل المجتمع السوري، وتشجيع القوى السياسية الجديدة على العمل بشكل علنيّ وشفاف، بدل بقائها في نطاق تجمعات غير مرخّصة أو مبادرات محدودة الفاعلية والأثر. ويتماشى هذا مع الإعلان الدستوري المؤقت الذي نص على حظر قيام أي حزب على أساس ديني أو عرقي أو مناطقي، فالتعدّدية المطلوبة سياسية تقوم على البرامج لا على الهويات، وبالتالي المطلوب من قانون الأحزاب أن يحدد شروط الترخيص، وآليات الرقابة، وسبل حل النزاعات، وضمان تكافؤ الفرص بين جميع الأحزاب، ووضع عقوبات في حال مخالفة الضوابط الوطنية. ومن دون هذا القانون، تبقى الحياة السياسية رهينة الاجتهادات والرغبات. وقد يفتح الأبواب أمام الانتقائيّة أو الغموض في التعامل مع المبادرات السياسية الناشئة، في ظل استمرار حالة من الفراغ السياسي، الذي تشغله الانتماءات الأولية، من طائفية واثنية ومناطقية وعشائرية وسواها، فتتحول المنافسة السياسية من صراع بين مشاريع، وبرامج، وسياسات، إلى صراع على ادّعاء تمثيل المناطق والهويات الفرعية.