قطاع غزة والخيارات الصعبة..

27 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 14:42 (توقيت القدس)
جانب من الدمار جراء الحرب الإسرائيلية، 2026/6/20 (عمر القطاع/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تدور معركة غزة حول مستقبل النظام السياسي بعد الحرب، مع احتمال تسليم حماس إدارة القطاع للسلطة الفلسطينية، مما يؤثر على المشروع الوطني الفلسطيني ووحدة الإدارة والمقاومة.

- تواجه حماس تحديات في إدارة مجتمع منهك، بينما قد تمثل عودة السلطة الفلسطينية فرصة لإعادة بناء الوحدة السياسية، بشرط تجاوز كونها أداة لإدارة السكان تحت الشروط الإسرائيلية والدولية.

- تتأثر القضية الفلسطينية بالتوترات الإقليمية والدولية، مع تحول الرأي العام العالمي، والتحدي الأكبر هو منع تحويل القضية إلى ملف إعادة إعمار وأمن، مع التركيز على حقوق الفلسطينيين.

لم تعد معركة قطاع غزّة تدور حول نتائج الحرب العسكرية فقط، بل حول ماهية النظام السياسي الذي سيولد من بين أنقاض القطاع، فمنذ بداية العدوان الإسرائيلي، كان سؤال "اليوم التالي" حاضراً بقوّة في حسابات القوى الإقليمية والدولية: من سيدير قطاع غزّة؟ ومن سيحدد مستقبلها السياسي؟ في هذا السياق، يبرز احتمال تسليم حركة حماس إدارة القطاع إلى السلطة الفلسطينية باعتباره أحد السيناريوهات الّتي يجري تداولها لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني بعد الحرب.

لكن هذه الخطوة، إن تحققت، تتجاوز مسألة نقل صلاحيات إدارية من طرف إلى آخر. إنّها تمس جوهر الصراع حول طبيعة المشروع الوطني الفلسطيني: هل سيكون قطاع غزّة مدخلاً لإعادة بناء وحدة سياسية فلسطينية حقيقية، أم ستكون جزءاً من مشروع يهدف إلى فصل الإدارة عن المقاومة، وتحويل القضية الفلسطينية إلى مجرد ملف إنساني وأمني؟

تجد حركة حماس نفسها أمام واقع بالغ التعقيد؛ فقد ألحقت الحرب الإسرائيلية دماراً هائلًا بالقطاع، ووضعت الحركة أمام معادلة صعبة بين الاستمرار في إدارة مجتمع منهك تحت القصف والحصار، وبين البحث عن صيغة تحافظ من خلالها على موقعها قوّةً سياسيةً ومقاومةً. ومن هذا المنطلق، قد يبدو تسليم الإدارة المدنية للسلطة الفلسطينية محاولة لإعادة توزيع الأدوار، وليس بالضرورة إعلاناً عن نهاية دور الحركة.

ليس المطلوب اليوم استبدال طرف فلسطيني بآخر، بل إعادة بناء المشروع الوطني على أساس المشاركة الشعبية والديمقراطية، وإنهاء الانقسام الذي أضعف الفلسطينيين لسنوات

غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن إسرائيل والقوى الغربية الّتي تدعمها لا تنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها ترتيباً فلسطينياً داخلياً فقط، بل جزءًا من مشروع أوسع يهدف إلى إعادة ترتيب قطاع غزّة بما ينسجم مع المصالح الأمنية الإسرائيلية. فإسرائيل تريد إنهاء أي نموذج مقاوم قادر على تحدي سيطرتها، وتحويل القطاع إلى منطقة تخضع لترتيبات أمنية صارمة، حتّى لو تغيرت الجهة الّتي تدير شؤون السكان اليومية.

هنا يظهر السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن الفصل بين إدارة قطاع غزّة وبين قضية المقاومة؟ فالمقاومة الفلسطينية لم تظهر بسبب وجود حماس أو أي فصيل آخر، بل نتيجة استمرار الاحتلال والتهجير والاستيطان وغياب حلّ سياسي عادل. لذلك فإن محاولة اختزال الأزمة الفلسطينية في مشكلة "إدارة" أو "أمن" تتجاهل جوهر الصراع، وتتعامل مع الشعب الفلسطيني باعتباره أزمة إنسانية لا قضية تحرر وطني.

كما أن التطورات الإقليمية، خصوصاً التوتر المتصاعد بين إيران وإسرائيل، تلقي بظلالها على مستقبل المقاومة الفلسطينية. فلم يعد قطاع غزّة مجرد ساحة فلسطينية داخلية، بل أصبح جزءاً من صراع إقليمي أوسع تتداخل فيه حسابات القوى الكبرى. وأي إعادة ترتيب لوضع القطاع ستؤثر حتماً على علاقات حماس مع حلفائها، وعلى الدور الذي ستلعبه الفصائل الفلسطينية في المرحلة المقبلة.

في المقابل، فإن عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزّة يمكن أن تمثّل فرصة لإعادة بناء الوحدة السياسية الفلسطينية، لكنها لن تنجح إذا بقيت مجرد أداة لإدارة السكان تحت سقف الشروط الإسرائيلية والدولية؛ إذ تعاني السلطة أزمة شرعية متراكمة، ليس بسبب ضعف مؤسساتها فقط، بل بسبب عجز مشروعها السياسي القائم على المفاوضات عن تحقيق إنهاء الاحتلال أو إقامة دولة مستقلة.

ليس المطلوب اليوم استبدال طرف فلسطيني بآخر، بل إعادة بناء المشروع الوطني على أساس المشاركة الشعبية والديمقراطية، وإنهاء الانقسام الذي أضعف الفلسطينيين لسنوات. فليست المقاومة مجرد سلاح، كما أن السياسة ليست مجرد تفاوض؛ كلاهما يحتاج إلى استراتيجية وطنية قادرة على الجمع بين مواجهة الاحتلال وبناء مؤسسات تمثّل الشعب الفلسطيني.

فالمقاومة الفلسطينية لم تظهر بسبب وجود حماس أو أي فصيل آخر، بل نتيجة استمرار الاحتلال والتهجير والاستيطان وغياب حلّ سياسي عادل

وفي ظل استمرار الحرب، يبقى العامل الأكثر أهمّية هو التحول الذي شهده الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية. فقد كشفت صور الدمار في قطاع غزّة عن حجم المأساة الإنسانية، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة النقاش الدولي بعد سنوات من محاولات تهميشها. وفي أوروبا تحديداً، برزت مواقف أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية، كان من أبرزها موقف إسبانيا الّتي دفعت باتجاه اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، بما في ذلك الدعوة إلى فرض عقوبات على إسرائيل، في مؤشر على اتساع الفجوة بين السياسات الرسمية التقليدية وبين المزاج الشعبي العالمي المتعاطف مع الفلسطينيين.

 لن يتحدد مستقبل قطاع غزّة بترتيبات ما بعد الحرب فقط، ولا بالجهة الّتي ستتولى إدارة القطاع، بل بقدرة الفلسطينيين على منع تحويل قضيتهم إلى مجرد ملف إعادة إعمار وأمن. إذ ستبقى المعركة الحقيقية حول حق الشعب الفلسطيني في الحرية والعدالة وتقرير المصير، وهي القضية الّتي منحت المقاومة معناها السياسي، والّتي ما زالت تجد صدى متزايداً لدى قطاعات واسعة حول العالم.