كل هذه الاستباحة الإسرائيلية...

02 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 12:48 (توقيت القدس)
دبابة دمرها قصف إسرائيلي في بلدة بيت جن في جنوب سورية (27/8/2025 الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تتعرض سوريا لغارات إسرائيلية متكررة تستهدف تدمير أجهزة مراقبة وقصف تحركات مشبوهة، دون تأثير استراتيجي كبير بسبب ضعف القدرات العسكرية السورية، مما يعكس استباحة إسرائيلية للأراضي السورية.
- سياسة المهادنة التي يتبعها الرئيس أحمد الشرع تجاه إسرائيل تُعتبر رؤية زائفة وخطيرة، حيث لم يواجه الجيش السوري عمليات الإنزال الجوي الإسرائيلي قرب دمشق، مما يؤثر سلبًا على سوريا استراتيجيًا.
- الرئيس الشرع أضاع فرصة استغلال الإنزال الجوي لتوجيه ضربة قوية لإسرائيل، مما يعكس فشل سياسة النيات الحسنة ويدفع إسرائيل لمزيد من الغطرسة في سوريا.

ليس مهمّاً كثيراً الغوص في تفاصيل الغارات الإسرائيلية على سورية: أهي لتدمير أجهزة مراقبة وتنصّت كما حدث في الهجوم والإنزال الجوي قرب جبل المانع جنوب دمشق قبل أيام، أم جاءت لقصف تحرّكات مشبوهة لمن تسمّيهم إسرائيل "إرهابيين"، أم لأسباب عسكرية أخرى؟
كما لن تكون من اهتمامنا محاولة تفسير توقيت الهجمات العسكرية الإسرائيلية على سورية، أهي أداة ضغط سياسية بأدوات عسكرية من أجل إجبار الرئيس أحمد الشرع على تقديم تنازلات سياسية في ما يتعلق بمصير الجولان المحتل، أم هي متعلقة بما يعلنه قادة إسرائيل دائماً أنهم حماة للدروز؟ أم هي اختبار جاهزية النظام السوري الجديد، وقياس مدى استعداده للمواجهة أو التنازل كما ذهب بعضهم.
طبيعة المراكز العسكرية المستهدفة وتوقيت الهجمات مسألتان غير مهمّتين ومشوّشتان على صعيد محاولة الفهم، فسورية اليوم لا تمتلك مقدّرات عسكرية ذات أهمية، ما يجعله بلا طائل الحديث عن سقوط قاعدة هنا أو منظومة صواريخ هناك ذات دلالة وتأثير على موازين الصراع، كما أن لا أهمية لمسألة توقيت الاعتداءات الإسرائيلية على المستوى الاستراتيجي، ذلك أنها لم تتوقّف على سورية منذ سقوط نظام الأسد: ترتفع أحياناً وتنخفض أحياناً أخرى لاعتبارات أمنية ليس إلا.
 أصبحت سورية ساحة مستباحة للغطرسة والعربدة الإسرائيليتين على غرار ما يحدث في غزّة ولبنان منذ سنوات طويلة، وهذه الاستباحة والتوغل البرّي في الجنوب هدفهما إيجاد واقع عسكري ـ أمني جديد يتعلق بسورية دولةً وبلداً، إي إخراجه من معادلة التهديد.
ما يهمّ هنا ماذا بعد؟ بمعنى، هل سيبقى رد الفعل السوري قاصراً على التنديد والاستنكار؟... صحيحٌ أن سورية لا تمتلك قدراتٍ عسكرية لردع الهجمات الإسرائيلية، وأن سلاحها الوحيد المتناول هو التنديد السياسي، إلا أن ثمّة معطيات يجب التوقف عندها. الأول، جديد الهجمات الإسرائيلية، إذ لأول مرة منذ سقوط نظام الأسد تقوم إسرائيل بعملية إنزال جوي على بعد نحو 35 كيلومتراً من دمشق في جبل المانع ومحيطه بمنطقة الكسوة جنوب العاصمة.
تفيد المعلومات السورية ومعلومات وسائل الإعلام العربية والدولية بأن عناصر من الجيش السوري اكتشفوا أجهزة تنصّت مموهة قرب الجبل قبل دقائق من الهجمات العسكرية الإسرائيلية التي استُتبعت بعملية إنزال جوي لمنع عناصر الجيش من الاستيلاء عليها.
يشير هذا الحدث إلى المرحلة المتقدّمة التي وصلت إليها إسرائيل في العمق السوري في سياق حرب تجسّس أحادية الجانب، غير أن المسألة لا تقتصر على ذلك، بل تشمل الموقف السوري، إذ لم يحدُث أي رد فعل عسكري، إذ إننا نفهم عدم امتلاك الجيش السوري أسلحة متطورة قادرة على ردع الطائرات والصواريخ الإسرائيلية، لكننا لا نستطيع فهم عدم مواجهة الجيش السوري عشرات الجنود الإسرائيليين على أرض قريبة من دمشق يمارسون فيها الاعتداء والقتل.
هذا هو السؤال الكبير الآن، وهو ما يقود إلى المعطى الثاني، المتعلق بسياسة المهادنة والنيات الحسنة التي يتبعها الرئيس أحمد الشرع تجاه إسرائيل، على أمل أن يغير نتنياهو من سياسته تجاه سورية. ولكن تجاربنا، نحن العرب، مع إسرائيل، سواء في فلسطين أو في لبنان، أو حتى في سورية نفسها، تؤكد ليس زيف هذه الرؤية فحسب، بل خطورتها وتأثيرها الاستراتيجي السلبي على سورية.
كان الإنزال الجوي الإسرائيلي فرصة مهمة للشرع لاستثمارها في توجيه ضربة للجنود الإسرائيليين، وإيصال رسالة إلى حكومة نتنياهو، غير أن الشرع أضاع فرصة ثمينة، وستُثبت المرحلة المقبلة أن النيات الحسنة ستدفع إسرائيل أكثر إلى الغطرسة في سورية. والدليل على ذلك أن الاعتداءات الإسرائيلية أخيراً، والإنزال الجوي، والتصريحات الإسرائيلية في الاستمرار بحماية الدروز، جاءت بعد أيام من لقاء جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر في باريس تتويجاً لمسار تفاوضي غير مباشر بدأ بين دمشق ودولة الاحتلال منذ أشهر.

سياسة المهادنة لعدو سورية والأمة العربية والتشدّد في الداخل حيال المكونات الاجتماعية هي عملية قلب معكوس لمسار التعافي السوري.