محاكمات الساحل السوري... اختبار للعدالة أم إجراء صوري؟
استمع إلى الملخص
- السياق الذي أدى إلى المحاكمات يشمل هجمات واسعة النطاق من فلول النظام، وردود فعل عشوائية من المتطوعين والفصائل، مما كشف عن هشاشة الدولة في ضبط الأمن ومنع الانتهاكات.
- المحاكمة تستند إلى تقرير اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق، وتعتبر اختبارًا لجدية السلطة الجديدة في بناء منظومة عدالة، لكنها تواجه تحديات بسبب غياب إطار قانوني شامل للعدالة الانتقالية.
مع انطلاق الجلسات العلنية لمحاكمة المتورّطين في أحداث الساحل السوري في مارس/آذار 2025، تدخل سورية مرحلة حسّاسة في مسار إعادة بناء مؤسّساتها بعد انهيار النظام السابق. فهذه المحاكمات، التي تبدو في ظاهرها مساراً جنائياً، هي في جوهرها اختبار قانوني سياسي لقدرة الدولة على التعامل مع ملف شديد التعقيد، جرى في لحظة غياب شبه كامل لسلطة الأمن والقضاء.
من منظور المعايير الدولية لمكافحة الإفلات من العقاب، أي محاكمة لجرائم واسعة النطاق تحتاج إطاراً قانونيّاً واضحاً، مستقلاً، ومكتمل العناصر؛ وهذا الشرط، مهما حاولت الدولة القول بعكسه، لا يزال محل تقييم أكثر منه محل ثقة.
ورغم الاهتمام الإعلامي بالجوانب الإجرائية للجلسات، يتقدّم سؤال مركزي على كل ما عداه: هل تمثّل هذه المحاكمات خطوة أولى نحو عدالة حقيقية؟ أم أنها محاولة شكلية لتسكين الرأي العام الداخلي وتقديم رسالة محسوبة إلى الخارج؟ الإجابة لا يمكن أن تفصل بين الوقائع والسياق، ولا بين المسار القضائي والإطار التشريعي والسياسي الذي يتحرك داخله.
السياق الذي أنتج المحاكمة
لفهم المحاكمة، يجب العودة إلى الوقائع التي سبقتها، فبعد انهيار النظام السابق في ديسمبر/كانون الأول 2024، بدت المناطق الساحلية: اللاذقية وطرطوس وأجزاء من ريف حماة، أكثر حساسية بسبب تركيبتها الاجتماعية والسياسية. ورغم محاولات القوات الحكومية الوليدة ضبط الأمن بسرعة، بقيت المنطقة مكشوفة أمام تحرّكات فلول النظام. وفي 6 مارس، نفّذت تلك الفلول هجمات واسعة شملت مقرّات الجيش والأمن العام، الحواجز، الطرق الدولية والمستشفيات. ووفق تقرير اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق، أسفر ذلك عن: مقتل 238 عنصراً من الأمن والجيش، تعرّض مدنيين سنّة لاعتداءات وانتقامات على أيدي الفلول، دفن عسكريين في مقابر جماعية، انهيار السيطرة الأمنية على مساحات واسعة.
أعقب ذلك تدفق آلاف المتطوعين المحليين والفصائل إلى المنطقة في حالة فوضوية، يتداخل فيها المدنيون المسلحون مع عناصر شبه منظمة. وخلال ثلاثة أيام من الدخول العشوائي للقرى، وقعت انتهاكات واسعة ضد المدنيين، تمثلت في القتل خارج القتال، الحرق، السلب، والاعتداءات ذات الطابع الطائفي. وقد وثّقت اللجنة 1426 قتيلاً، بينهم 90 امرأة، إضافة إلى 20 مفقوداً.
يفتح السياق نفسه باب الأسئلة، فالهجوم الذي نفّذته فلول النظام السابق، بما تضمّنه من قتل منظم، إعدامات، مقابر جماعية، واعتداءات استهدفت المدنيين والعسكريين، لم يكن مجرّد حدث أمني، بل كشف انهياراً صريحاً لسيادة الدولة الوليدة. وردّ الفعل الذي أعقب الهجوم تدفق آلاف المسلحين والمتطوعين خلال ساعات كشف هشاشة بنيوية في قدرة الدولة على ضبط السلاح وعلى منع الانزلاق نحو الانتهاكات.
جرى القتل والسلب والحرق في قرى عدة في ثلاثة أيام فقط، في غياب سلطة أمنية قادرة على التدخل، ما يجعل الادّعاء اليوم بقدرة الدولة على "المحاسبة التامة" محل تساؤل: هل تحاسب الدولة فعلاً على ما لم تستطع منعه؟ أم تحاول ترميم صورتها بعد فشلها في احتواء الحدث منذ لحظته الأولى؟
لم تكن الجلسة العلنية لمحاكمة المتورطين في أحداث الساحل حدثاً قضائياً عادياً. هي لحظة اختبار ثقيل تُقاس بها جدّية السلطة الجديدة في الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء منظومة عدالة
بناء سردية واقعية في بيئة مرتبكة
استندت المحاكمة التي بدأت إلى التقرير النهائي للجنة الوطنية المستقلة للتحقيق، التي أُنشئت بقرار من رئيس الجمهورية، وتمتّعت بصلاحيات واسعة نسبياً مقارنة باللجان الحكومية التقليدية في سورية. وعملت اللجنة أربعة أشهر، وخلال ذلك: زارت 33 موقعاً في الساحل. استمعت إلى 938 إفادة. راجعت أدلة رقمية، صوراً، مقاطع فيديو. دقّقت قوائم رسمية من وزارات الدفاع والداخلية. قابلت مسؤولين محليين. استجوبت موقوفين. اعتمدت معيار "الشبهة المعقولة" لتحديد المشتبه بهم.
وبناء على ذلك، خلصت اللجنة إلى وجود: 265 اسماً من المرتبطين بفلول النظام. 298 اسماً من أطراف أخرى. انتهاكات لم تكن منظمة بالكامل لكنها كانت واسعة. دوافع طائفية محدودة لكنها حاضرة في بعض المواقع. مسؤولية مباشرة وغير مباشرة لجهات متعددة.
وتقرير اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق، رغم أنه أول سردية رسمية متماسكة، لا يغير جذرياً هذه الإشكالية، فاللجنة اعتمدت معيار "شبهة المعقولة"، وهو مناسب لعمل لجان تقصّي الحقائق، لكنه غير كافٍ أمام القضاء. لم تكشف اللجنة جميع مصادرها الرقمية، ولم تُخضع منهجيتها لتقييم خارجي مستقل، ولم تُنتج ملفاً قضائياً متكاملاً، بقدر ما أنتجت ملخّصاً تحليلياً ضرورياً لكنه غير نهائي.
ولم تكن الجلسة العلنية لمحاكمة المتورطين في أحداث الساحل حدثاً قضائياً عادياً. هي لحظة اختبار ثقيل تُقاس بها جدّية السلطة الجديدة في الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء منظومة عدالة، أو تُفضح فيها هشاشة هذه السلطة إذا تبيّن أن المحاكمة لا تتجاوز حدود الاستخدام السياسي.
ويدرك الشارع السوري، منذ اللحظة الأولى، أن الشكوك المحيطة بالمحاكمة ليست تفصيلاً. هناك شعور عام بأن الدولة مضطرّة للقيام بشيء "علني" في هذا الملف، لأنه لا يمكن إغلاقه سياسياً، ولأنه يتعلق بمنطقة شديدة الحساسية، ولأن المجتمع الدولي يراقب. لكن السؤال الذي يتكرّر ما إذا كانت العلنية هنا دليلاً على الشفافية، أم جزءاً من تقنية إدارة صورة الدولة، كما حدث في ملفاتٍ أخرى، أبرزها الانتهاكات الواسعة في محافظة السويداء في يوليو/ تموز 2025، والتي انتهت بلجنة تحقيق وطنية من دون أن تُستكمل مسارات المحاسبة اللاحقة. والإشارة إلى السويداء هنا ليست للمقارنة بين الجريمتين، بل لإظهار أن المشكلة بنيوية: تعدّد الملفات الجنائية في غياب إطار عدالة انتقالية شامل، يدفع الدولة إلى معالجة كل ملفٍّ بمعزل عن الآخر، ما يُنتج صورة عدالة مجزّأة أكثر منها رؤية شاملة.
وما يزيد تعقيد الصورة أن القضاء السوري، في صيغته الحالية، يعمل ضمن إطار قانوني لا يستوعب طبيعة الجرائم المرتكبة، فقانون العقوبات العام لعام 1949 لا يعرف مفاهيم، مثل الجرائم واسعة النطاق، ولا الجرائم الطائفية المنظمة، ولا الإعدامات بعد السيطرة، ولا العنف القائم على الهوية. وقانون العقوبات العسكري لعام 1950 صُمّم للتعامل مع جرائم التمرّد والانضباط العسكري، وليس لمحاسبة مدنيين شاركوا في عمليات مختلطة. ومع ذلك، تصرّ النيابة العامة على تكييف هذه الجرائم داخل هذه النصوص القديمة، في محاولةٍ لإعادة تعريف الواقع الجديد بأدوات تشريعية تعود إلى حقب مختلفة تماماً.
وما يزيد أهمية هذه المحاكمة، وما يستدعي قراءتها بعمق أكبر، أنها تجري في فراغٍ تشريعي لم يُردم بعد، وفي لحظة انتقالية لا تزال فيها مؤسّسات الدولة تعيد تعريف نفسها، فالقضاء الذي يتولى اليوم النظر في الانتهاكات المرتكبة في الساحل هو نفسه الذي ورث بنية ثقيلة من النظام السابق، بما فيها أدوات قانونية تقليدية، ومعايير إثبات غير مهيّأة للتعامل مع جرائم واسعة، وإجراءات تحقيق محدودة، وغياب منظومة متكاملة للطب الشرعي والتحقيقات المستقلة. ويجعل هذا الواقع أي محاكمة، مهما بلغت جديتها، محاطة بسقفٍ من القيود البنيوية يصعب تجاوزه من دون إصلاحات أوسع.
الطابع العلني للمحاكمة، رغم أهميته، لا يجيب عن هذه الإشكالات، فحتى الآن لم تُنشر لوائح الاتهام، ولم تُعرض الأدلة الرقمية على خبراء مستقلين
وتجري المحاكمة في ظل غياب منظور شامل لمفهوم "المساءلة الموسّعة"، الذي لا يقتصر على الأفراد المنفذين، بل يشمل السلاسل القيادية، والجهات التي وفرت الغطاء، والأطراف التي سهّلت أو امتنعت عن التدخل. لم تجد هذه النقطة، التي تشكّل محور العدالة الانتقالية في تجارب دول كثيرة، مكاناً واضحاً في مقاربة الدولة الحالية، فالمحاسبة التي لا تشمل الديناميات الأوسع، مثل فوضى السلاح، هشاشة الضبط العسكري، ازدواجية الصلاحيات بين القوات النظامية والفصائل، وتراكم إرث الجهاز الأمني السابق، تبقى محاسبة جزئية مهما حاولت أن تبدو شاملة. ومن منظور حقوقي، يمثّل الاقتصار على “مرتكبي الأفعال المباشرة” خطوة ضرورية لكنها غير كافية، لأنه يترك البنى العميقة التي سمحت بارتكاب الجرائم بلا مراجعة حقيقية.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن نجاح هذه المحاكمة، إن تحقق، قد يشكّل نقطة تحوّل في علاقة المجتمع بالدولة، خصوصاً في بيئاتٍ متضرّرة، مثل الساحل. فالعدالة العلنية، عندما تقترن بإرادة سياسية واضحة، يمكن أن تخفّف من الاستقطاب، وتعيد بناء بعض الثقة المفقودة، وتؤسّس لمرحلة تعترف فيها الدولة بمسؤولياتها لا بوصفها طرفاً في النزاع، بل بوصفها حامية للحق والقانون، غير أن هذا الطموح يظل رهناً بقدرة الدولة على الانتقال من المحاكمة بوصفها حدثاً منفصلاً إلى العدالة كأجندة وطنية مستمرّة.
ولا يمكن تجاهل البعد السياسي للمحاكمة، فالدولة تحاكم ثلاثة أطراف: فلول النظام السابق، عناصر من الفصائل التي قاتلت مع الدولة، ومدنيين تحرّكوا بدافع حماية مناطقهم أو الانتقام. هذا يعطي انطباعاً عن عدالة "غير انتقائية"، لكنه يطرح أسئلة ثقيلة: هل كل الأطراف ممثلة فعلاً في قفص الاتهام؟ هل تشمل المحاكمة القيادات، أم تكتفي بالميدانيين؟ هل تخضع الفصائل لمستوى التدقيق نفسه الذي تخضع له فلول النظام؟ وهل تُفتح الملفات المؤجلة، أم فقط الملفات القابلة للإدارة سياسياً؟
ويتصل بهذه الأسئلة بعد قانوني إضافي، يتعلق بخطاب الكراهية، فجزء من الانتهاكات في الساحل حمل مضموناً طائفياً واضحاً، وفق ما وثقته اللجنة. وهذا ليس تحليلاً اجتماعياً، بل حقيقة قانونية، لأن الدافع الجُرمي من عناصر التكييف. ومع ذلك، لا يتضمّن القانون السوري نصاً نوعياً يجرّم خطاب الكراهية أو التحريض على الكراهية واسع النطاق، وهو ما يجعل المحاسبة على الدوافع الناشئة عن الانقسام الهوياتي غير مكتملة. ومع غياب نصوص تحظر التحريض الطائفي والعنف القائم على الهوية كما تقضي المعايير الدولية تبقى المحاكمة عاجزة عن معالجة أحد أبرز جذور الانتهاكات.
والطابع العلني للمحاكمة، رغم أهميته، لا يجيب عن هذه الإشكالات، فحتى الآن لم تُنشر لوائح الاتهام، ولم تُعرض الأدلة الرقمية على خبراء مستقلين، ولم تُعلن إجراءات حماية الشهود، ولم تتضح العلاقة القانونية بين النيابة العامة واللجنة الوطنية، ولا الآلية التي تحدد الملفات المحالة وتلك التي تُركت لأسباب غير معروفة.
أما الضحايا وهم محور أي مسار عدالة انتقالية فلا يزالون خارج دائرة الإنصاف. ما جرى حتى اللحظة توثيق موسع، لكنه لم يتحول إلى جبر ضرر، ولا إلى برنامج يعيد الثقة المفقودة بين المجتمع والدولة، ولا إلى مقاربة واضحة لملفات المفقودين والمقابر الجماعية. وفي غياب هذا البعد، تظل المحاكمة خطوة مهمة لكنها غير مكتملة.
وهكذا تتشكل صورة مزدوجة: المحاكمة خطوة متقدمة من حيث الشكل، لكنها محاطة بفراغ تشريعي عميق، وبحسابات سياسية، وبثغرات إجرائية، وبغياب أدوات قانونية قادرة على التعامل مع جرائم بهذا الحجم. وهذا يطرح سؤالاً نقدياً مشروعاً: هل تسعى الدولة فعلاً إلى بناء منظومة عدالة انتقالية، أم أنها تستعيض عنها بمحاكمة واحدة تُستخدم دليلاً تمثيليّاً على "الإرادة السياسية" من دون أن تتوفر لها شروط العدالة الكاملة؟
بين خيار بناء منظومة عدالة حقيقية، وخيار الاكتفاء بإجراءات شكلية لترضية الداخل والخارج، ستتحدّد ملامح مستقبل العدالة في سورية
ماذا تمثل المحاكمة للدولة ولمجتمع الساحل؟
من زاوية سياسية، يمكن القول إن المحاكمة محاولة لإعادة بناء الدولة من منطلق "سيادة القانون"، وليس من منطلق توازن القوى الذي حكم السنوات السابقة. ففي الساحل تحديداً، كانت العلاقة بين المجتمع المحلي وأجهزة الأمن، قديمها وجديدها، مشوبة بالشك والذاكرة الثقيلة.
والمحاكمة هنا ترسل رسالة مفادها: أن الاعتداء على المدنيين غير مقبول، أن قتل العسكريين بعد الأسر جريمة، أن الانتهاكات الطائفية لن تُغلق سياسياً، أن الفوضى ليست بديلاً عن الدولة، أن الدولة الجديدة تحاول، ولو بحدود، كسر إرث الإفلات من العقاب. ... ولهذا أهمية سياسية بعيدة المدى، لأنه يعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة في منطقةٍ كانت تُعتبر "حصناً للنظام"، ثم أصبحت فجأة مسرحاً لانهياره.
اختبار الدولة بين النص والقوة
ليست المحاكمة الحالية نهاية مسار، ولا يمكن اعتبارها حلاً كاملاً. إنها خطوة ضمن عملية أكبر لإعادة بناء مؤسّسات الدولة،
لكنها خطوة ذات دلالة، والقيمة الحقيقية لهذه المحاكمة لن تُقاس بعدد المتّهمين، بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى بداية لمسار مؤسّسي متكامل. وما لم يصدر قانون جديد للعدالة الانتقالية، وتفعيل هيئة العدالة الانتقالية ومنحها الشمولية والاستقلال، وما لم تُنشأ هيئة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان، وما لم يُطلق برنامج جبر ضرر واضح، وما لم تُضبط العلاقة بين الفصائل والدولة، ستبقى هذه المحاكمة حدثاً رمزياً لا أكثر. ومن منظور تشريعي، يصبح إدماج الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية مناهضة الاختفاء القسري ونظام روما الأساسي شرطاً ضرورياً لسدّ الفجوات القانونية التي كشفتها الأحداث.
وبين خيار بناء منظومة عدالة حقيقية، وخيار الاكتفاء بإجراءات شكلية لترضية الداخل والخارج، ستتحدّد ملامح مستقبل العدالة في سورية: انتقال حقيقي من سلطة القوة إلى قوة القانون… أو إعادة إنتاج مراحل جديدة من الإفلات من العقاب، بوسائل مختلفة ووجوه جديدة.