محمد غنّوم: الرسم هو الأكسجين الذي أتنفّسه والطبيعة معلمي الأول
- يؤمن غنوم بأن الفن يجب أن يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي، ويحتاج إلى توازن بين الموهبة والتدريب، مشددًا على أهمية العمل والإرادة والتواضع في مسيرة الفنان.
- يرى غنوم أن الفن التشكيلي العربي يحتاج إلى الانفتاح والتجريب، مع دعم المؤسسات، مؤكدًا أن الفن للجميع وليس للنخبة فقط، ويظل مؤثرًا في زمن الصورة الرقمية.
في مسيرته الطويلة، لم يكن الفن بالنسبة إلى التشكيلي السوري محمد غنوم مجرد اختيار أو مهنة، بل كان لغة حياة ووسيلة لحفظ الذاكرة ومواجهة الفقد، كما جعل من الحرف العربي أحد أبرز ملامح المشهد التشكيلي المعاصر.
يتحدث في المقابلة مع "سورية الجديدة" عن تجربته، وعن علاقة الفن بالذاكرة والواقع، وعن مستقبل اللوحة في زمن الصورة الرقمية والذكاء الاصطناعي.
اللوحة لم تغيّرني، بل أظهرتني إنساناً أكثر. كلما سعى الإنسان في حياته إلى تحقيق إنسانيته أصبح أكثر فائدة لنفسه ولمن حوله
* كيف يعرّف محمد غنّوم مشروعه التشكيلي اليوم؟
أعرّف تجربتي بأنها تجربة فنية مستمرة أكثر من كونها مشروعاً بالمعنى المتعارف عليه. كلمة "مشروع" كبيرة، لأنّ المشروع يوحي أحياناً بشيء مكتمل وله حدود واضحة، بينما الفن بالنسبة لي بحث دائم وتجربة لا تنتهي. كلما تقدمنا في هذه التجربة وتعمقنا فيها أصبحت أكثر وضوحاً وتبلوراً. هذه التجربة لم تأتِ صدفة، ولم تبدأ من فراغ، بل قامت على دراسة ومعرفة بأصول الفن وقواعده. الناس يعرفونني غالباً من خلال الحرف العربي، لكن الحقيقة أنّني قبل كل شيء رسام. درست الرسم الواقعي على نحوٍ متأنٍ، وتعلمت أصوله وقواعده، ودرست في مراكز فنية قبل دخولي كلية الفنون الجميلة، منها مركز أدهم إسماعيل ومراكز الفنون التطبيقية، وتتلمذت على يد أساتذة كبار، رحم الله أدهم إسماعيل وفاتح المدرس ونصير شورى وغيرهم. أنا لا أعرف يوماً لم أرسم فيه. منذ طفولتي كنت أحمل الألوان وأرسم بشغف، حتى إنّني في أول يوم لي في المدرسة الابتدائية أخذت معي ألواناً وكرتوناً، لأنني كنت أعتقد أن المدرسة مكان للرسم. بالنسبة لي الرسم هو الأكسجين الذي أتنفّسه، وهذا الأمر رافقني منذ البداية وما زال. لاحقاً درست التصميم الداخلي، وحصلت على الدكتوراه، وأصبحت أستاذاً جامعياً أدرّس في مجالات الفن والتصميم الداخلي والخط العربي والزخرفة. لكن ذلك كلّه يعود إلى السبب الأول: العشق. الفن هو الشيء الذي أحببته في هذه الحياة.
*ما الذي ما زلت تحاول قوله بالرسم ولم تستطع اللغة أن تحمله؟
أكون من خلال اللغة البصرية أكثر بلاغة من لغة الكلام. أنا لا أقول هذا لأنّني بعيد عن اللغة، فأنا أكتب وأؤلف وأحب اللغة العربية، وأقرأ الشعر والأدب والرواية، لكن حضوري الحقيقي يكون من خلال الصورة واللون والخط. هناك أشياء كثيرة لا تستطيع الكلمات أن تحملها، وقد تكون مساحة صغيرة في لوحة قادرة على قول ما لا تستطيع صفحات طويلة أن تقوله. الرسم بالنسبة لي ليس بديلاً عن اللغة، لكنه لغة أخرى، لغة لها قدرتها الخاصة على التعبير. أنا موجود على نحوٍ حقيقيّ في اللغة البصرية، وأشعر أن ما أريد قوله باللون والخط قد يكون أحياناً أكثر وضوحاً وعمقاً مما أقوله بالكلمات.
*كيف غيّرتك اللوحة؟ وهل أعادت تشكيل نظرتك إلى العالم؟
اللوحة لم تغيّرني، بل أظهرتني إنساناً أكثر. كلما سعى الإنسان في حياته إلى تحقيق إنسانيته أصبح أكثر فائدة لنفسه ولمن حوله. العمل البصري بالنسبة لي هو هذه اللغة البليغة التي نتحدث عنها. أحياناً تستطيع مساحة محدودة أن تحمل معنى واسعاً جداً، وهذا ما يحدث في الفن. أنا لا أبحث عن تغيير الإنسان بقدر ما أبحث عن الكشف عن الجانب الإنساني فيه.
لذلك أنا حريص على أن أتكلم من خلال اللون والخط، لأنهما يحملان إحساساً وذاكرة وتجربة لا يمكن اختصارها بالكلام.
عندما أوقع اللوحة وأؤرخها أشعر بنشوة انتصار حقيقية. لكن بعد شهر أو شهرين قد أعود إليها وأجد فيها شيئاً ناقصاً
*إلى أي حد يشكّل المكان الأول والذاكرة البصرية مرجعاً دائماً في أعمالك؟
تبدأ الذاكرة البصرية بالتشكل منذ اللحظة التي تفتح فيها عيون الإنسان على هذا العالم. وأنا ابن غوطة دمشق، ابن مكان مليء بالأشجار والورود والأزهار. كان لوالدتي أثر كبير في هذا الجانب، فبيتنا كان يشبه حديقة غنّاء. أنا عاشق للطبيعة والنباتات، وأحب الزراعة إلى جانب الرسم، ولدي أرض أعتني بها. الطبيعة تعطيني باستمرار حلولاً تشكيلية لا حدود لها. دائماً أقول لطلابي إن المعلم الأول هو الطبيعة، لأنها معلم لا يخطئ ولا يمل من التعليم. الطبيعة تتجدّد باستمرار مع الوقت والفصول، وهي صادقة ولا تعرف الخداع. لذلك؛ رغم احترامي الكبير لكل أساتذتي في الفن، أعتبر الطبيعة أستاذي الأول. حتى في تجربتي مع الحرف العربي، يرى كثيرون حضور الغيوم والأشجار والأنهار في الأعمال، وهذا يعود إلى تأثير الطبيعة الكبير في داخلي. أنا معتز بأنني ابن الطبيعة.
*هل تبدأ اللوحة بفكرة فلسفية أم بصورة بصرية أم بانفعال داخلي يصعب تحديده؟
كل هذه العناصر موجودة، لكن الفكرة الفلسفية لا تأتي من فراغ، بل تأتي بعد ثقافة واطلاع ودراسة وتجربة. أؤمن دائماً بأن الفن هو فكر. الفن لا يأتي بالصدفة، ولا يأتي من دون تعب وعمل. الموهبة مهمة جداً، لكنها ليست كل شيء. التدريب والدراسة عنصران أساسيان. الموهبة تجعل الإنسان قادراً على أن يكون فناناً، لكن التدريب والمعرفة يصنعان الفرق. كثيرون يستطيعون الرسم، لكن ليس كل من يرسم يصبح فناناً. وأرى أن الفن يحتاج إلى العقل والعاطفة معاً. حتى كبار الموسيقيين مثل أم كلثوم وفيروز ومحمد عبد الوهاب لم يعتمدوا على الموهبة فحسب، بل درسوا وتدرّبوا وعملوا باستمرار.
*عندما تنتهي من لوحة، هل تشعر أنها اكتملت فعلاً أم أنك تتوقف فقط عن مقاومتها؟
عندما أوقع اللوحة وأؤرخها أشعر بنشوة انتصار حقيقية. لكن بعد شهر أو شهرين قد أعود إليها وأجد فيها شيئاً ناقصاً. مع ذلك لا أضيف عليها، لأنها تمثل تلك المرحلة التي أنجزتها فيها. كنت أراها في ذلك الوقت مكتملة وفق رؤيتي ومعرفتي. الفنان دائماً يحاول أن يتقدم أكثر. لا يوجد وصول إلى الكمال النهائي. حتى في الخط العربي، عندما يقول بعضهم إن الخط وصل إلى درجة الكمال، أرى هذا غير صحيح. نحن دائماً في حالة محاولة وتطور. الفن رحلة مستمرة، وليس نقطة وصول.
* هل لكل فنان هاجس يتكرّر في أعماله بأشكال مختلفة؟ وما هاجسك الشخصي؟
قبل الحديث عن الهاجس، أقول إن التكرار موجود عند كل الفنانين. من منّا لا يكرّر؟ لكن التكرار لا يكون متطابقاً، بل متشابهاً. الفنان قد يرسم الفكرة نفسها طوال حياته، لكنه يراها في كل مرة من زاوية جديدة. عمر الإنسان قصير جداً، ولذلك عليه أن يقدم ما يستطيع من عمل مفيد. أما أنا فلا أسميه هاجساً، بل أهدافاً وطموحات. أحب العمل كثيراً، وأقول دائماً إنّ الإنسان لا يموت من كثرة العمل، بل من الكسل. هدفي أن أظهر الجمال وأن أجعل الآخرين يرون شيئاً يسعدهم. هذا أمر نبيل، ويسعد الفنان قبل أن يسعد الآخرين.
بنيت تجربتي على ثلاث كلمات أساسية: الله، الوطن، والحب. هذه المعاني الثلاثة حضرت كثيراً في أعمالي، وأرى أنها تمثل جوهر الإنسان
* كيف تنظر إلى علاقة الفن بالواقع الاجتماعي والسياسي؟
الفن يشبه واقعنا. فيه الصدق والأصالة، وفيه أيضاً أشياء أخرى أقل قيمة، كما يحدث في الحياة. لا يمكن للفنان أن يكون منفصلاً عن واقعه. نحن تأثرنا بكل ما حدث حولنا، ومن الطبيعي أن يظهر ذلك على نحوٍ مباشر أو غير مباشر في الفن.
لكن النهوض ليس سهلاً، فهو يحتاج إلى إرادة وظروف ودعم. وأنا أقول دائماً لطلابي: من كانت نيّته الفوز لا يتقن كلمة مستحيل، الاستسلام هو الهزيمة، أما الإقدام فهو بداية الطريق.
* في زمن الصورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ما الذي يُبقي اللوحة قادرة على التأثير والتأمل؟
الذكاء الاصطناعي مؤثر، ولا يجوز أن نغلق أعيننا عنه. له جوانب إيجابية كبيرة، وله جوانب تحتاج إلى الحذر. لكنّني مطمئن إلى أنه لن يحلّ محلَّ الإنسان، لأنه من صنع الإنسان وليس صانعاً للإنسان. يمكنه أن يقدم سرعة ودقة مذهلتَين، لكنّه لا يستطيع أن يكون بيكاسو أو ريمبراندت أو أينشتاين. الإنسان يمتلك التجربة والذاكرة والإحساس. علينا أن ندرسه ونستخدمه، لكن مع وعي كامل بحدوده.
* إذا كان عليك أن تترك عملاً واحداً فقط يمثّل تجربتك كلها، فما الذي يجب أن يبقى فيه ولماذا؟
لا أستطيع اختيار لوحة واحدة تمثل تجربتي كلها، لأن تجربتي قائمة على مجموعة من الأفكار والأعمال. أنا بنيت تجربتي على ثلاث كلمات أساسية: الله، الوطن، والحب. هذه المعاني الثلاثة حضرت كثيراً في أعمالي، وأرى أنها تمثل جوهر الإنسان. لكنني لا أعتقد أن هناك لوحة واحدة يمكن أن تختصر مسيرة فنان كاملة. كما أنني لا أؤمن بأن كل الأعمال التي يقدمها الفنان تكون بالمستوى نفسه. هناك أعمال تكون أقرب إلى قلب الفنان من غيرها. هناك من يقول إن لوحاته مثل أولاده وإنه يحبها كلها بالدرجة نفسها، لكن هذا ليس دقيقاً تماماً. الإنسان يحب أبناءه جميعاً، لكنه قد يشعر بقرب أكبر من أحدهم. الأمر نفسه في الفن. بيكاسو قدم آلاف الأعمال، لكنّ هناك أعمالاً أصبحت رموزاً مثل "غيرنيكا". وليوناردو دا فينشي قدم أعمالاً كثيرة، ومع ذلك أصبحت الموناليزا الأشهر، رغم أن هناك من يرى أن لديه أعمالاً أخرى لا تقل أهمية. الشهرة أحياناً ترتبط بظروف معينة، وليس بقيمة العمل فحسب.
* يُعدّ حضور الخط العربي أحد أبرز ملامح تجربتك التشكيلية. كيف تشكّلت علاقتك بهذا العنصر، وكيف استطعت أن تحوّله من وسيط كتابي إلى لغة بصرية تحمل رؤيتك الفنية؟
الحرف العربي بالنسبة لي هو مفردة تشكيلية. هذا تعريف نعلمه لطلابنا، فالحرف ليس مجرد وسيلة للكتابة، بل شكل يحمل طاقة بصرية. أحياناً أنظر إلى الحرف وكأنه كائن حي، أراه يتحرك ويتكلم ويرقص ويغني. هو في جوهره تجريد خالص، ليس شجرة ولا طائراً ولا شكلاً واقعياً، لكنه يفتح مساحة واسعة للخيال. أنا رسّام، والخط العربي في النهاية هو رسم للحروف بطريقة جميلة، كما أن الإنسان يختلف في جمال خطه، تختلف المدارس والأساليب في التعامل مع الحرف. ولست الوحيد الذي استخدم الحرف في الفن، فكل الشعوب استخدمت حروفها بصرياً؛ الحروف اللاتينية والصينية والسلافية وغيرها تحولت إلى أعمال فنية. لكنّني وجدت في الحرف العربي ما يحقق ما أبحث عنه. أملك خلفية أكاديمية في الرسم والتشريح والتكوين، وفي الوقت نفسه تعلمت الخط العربي على نحوٍ كلاسيكي، وتعلمت قواعده وأصوله، واجتمع هذان المساران ليشكلا تجربتي. هذه التجربة لم تولد بالشكل الذي يراه الناس اليوم، بل تطورت خلال عقود طويلة. منذ 40 أو 50 عاماً لم تكن كما هي الآن، لأنها تغيرت مع المعرفة والتجربة والاحتكاك بالآخرين. أحترم النقد، ولا أعتقد أن الفنان يجب أن يغلق أذنَيه عن آراء الناس. الفنان ليس معصوماً من الخطأ، وليس نبياً في الفن. هناك دائماً مساحة للآخرين كي يروا ويعلقوا ويختلفوا.
* هل سبق أن مزّقت لوحة بعد إنجازها؟ وماذا تعلّمت من تلك التجربة؟
لا، لم أمزق لوحة أبداً. هذا صعب جداً بالنسبة لي، فللوحة قيمة حتى لو لم تكن بالمستوى الذي أريده. قد أعدل عليها أو أعمل فوقها، لكنّني لا أمزقها. هناك لوحات تحتاج إلى تطوير أو إعادة نظر، وهذا أمر طبيعي. قبل أن أبدأ لوحة كبيرة أرسم عادةً اسكتشات ومسودات وأفكر في التكوين، لأن العمل الفني ليس صدفة. لكن أحياناً تحدث صعوبات في أثناء التنفيذ، وقد لا تصل اللوحة إلى الحالة التي أريدها، وهنا دور المراجعة والعمل.
من حق كل إنسان أن يرى العمل من الزاوية التي يراها مناسبة. هناك من يرى الحرفة، وهناك من يرى الموسيقى، وهناك من يرى الطبيعة
* هل تشعر أن الشهرة قد تدفع الفنان أحياناً إلى تكرار نفسه بدل المغامرة؟
نعم، هذا احتمال موجود. أحياناً قد يشعر الفنان بالراحة عندما يجد أسلوباً ناجحاً أو جمهوراً يحب طريقة معينة من أعماله، فيميل إلى تكرارها. لكن الفنان الحقيقي يجب أن يبقى في حالة بحث وتجريب. التكرار موجود عند الجميع، كما قلت، لكن المهم ألا يتحول إلى نسخة مكرّرة من الذات، الفنان يحتاج إلى الشجاعة ليغامر ويبحث عن الجديد.
* ما أكثر لوحة تشعر أنها لم تنل ما تستحقه من الاهتمام؟
هذا يحدث كثيراً في كل الفنون، وليس في الرسم فقط. هناك أعمال عظيمة لم تحصل على الاهتمام في وقتها بسبب ظروف معينة، سواء بسبب الإعلام أو التوقيت أو الظروف المحيطة. فان غوخ مثال واضح. في حياته لم يحصل على التقدير الذي يستحقه، واليوم أصبحت أعماله من أشهر الأعمال في العالم. أحياناً لا يكون الأمر متعلقاً بقيمة العمل فحسب، بل بظروف كثيرة تحيط به.
* لو التقيت بنفسك في بداية الطريق الفني، ما النصيحة التي كنت ستقدّمها لذلك الشاب؟
لا أحب كثيراً تقديم النصائح، لكن إذا أردت أن أقول شيئاً سأقول: العمل، والإرادة، والدراسة، والتواضع. على الفنان أن يكون أول ناقد لعمله، وأن يحترم الآخرين وآراءهم. لا يوجد فنان فوق النقد. أؤمن بأننا صناع جمال. وهذه العبارة تحمل معنيين: الصنع بما فيه من حرفة وتقنية وإتقان، والجمال بما يحمله من قيمة إنسانية يسعى الإنسان إليها منذ وجوده. الجمال مفهوم واسع ومختلف بين الناس، لكنه يبقى هدفاً أساسياً للإنسان. وفي النهاية أقول إنّ الفن منحني الكثير. هو الذي جعلني أرى العالم، وسافر بي من الصين إلى البرازيل، وأتاح لي أن أقدم تجربتي في أكثر من مكان. لدي أكثر من 70 معرضاً فردياً في العالم، وأكثر من خمسين معرضاً خارج بلدي، وهذا كله جاء من العمل المستمر. أنا أعيش من فني منذ أكثر من 50 عاماً في دمشق، وهذا دليل على أن الفنان يستطيع أن يبني حياة كريمة من خلال عمله إذا اجتمع الإخلاص والاجتهاد والفرصة. الفن بالنسبة لي ليس مجرد مهنة، بل طريقة حياة.
* كيف تقرأ واقع الفن التشكيلي العربي اليوم، وما أبرز ما ينقصه برأيك؟
برأيي هناك أمور كثيرة يحتاج إليها الفن التشكيلي العربي اليوم. أولها أن تبقى الطبيعة معلماً أساسياً للفنان، وألا ينقطع عنها. كما يجب على الفنان أن يفتح عينيه على العالم كله، لا أن يعيش داخل حدود ضيقة ويعتقد أن ما يقدمه هو الوحيد الموجود.
العالم واسع، وهناك تجارب فنية مذهلة في كل مكان. زرت الصين والبرازيل، ورأيت فنانين لا أعرف أسماءهم يقدمون أعمالاً مدهشة. لذلك على الفنان أن يرى كثيراً، لأن المشكلة أن معظم الناس لديهم عيون لكنهم لا يرون. الرؤية الحقيقية هي القدرة على التقاط الأشياء التي تدخل إلى كيان الإنسان وتتحول إلى تجربة. الفن يحتاج أيضاً إلى التواضع. أحياناً يشعر بعض الفنانين أنهم يقدمون شيئاً فوق النقد أو أنهم في مكان بعيد عن الآخرين، وهذا غير صحيح. الفن ليس للنخبة فقط، بل هو للجميع، مع الحفاظ على قيمته ومستواه. كما يحتاج الفن إلى التجريب المستمر والثقافة المستمرة، لأنني أؤمن أن الفن فكر قبل أن يكون شكلاً. ولا شك أن الدعم المؤسساتي مهم جداً. تاريخ الفن يؤكد أن كثيراً من الفنانين الكبار حصلوا على فرص ساعدتهم على تقديم أعمالهم. ليوناردو دا فينشي وميكيلانجيلو وغيرهما وجدوا من يدعم مشاريعهم. في بلادنا ما زالت الفرص محدودة، ونحتاج إلى وعي أكبر يتيح للفنانين مساحات أوسع للتجريب والتقديم.
*ما الذي تخشاه أكثر: سوء فهم أعمالك أم حصرها في قراءة واحدة؟
لا يؤرقني هذا الأمر كثيراً. من حق كل إنسان أن يرى العمل من الزاوية التي يراها مناسبة. هناك من يرى الحرفة، وهناك من يرى الموسيقى، وهناك من يرى الطبيعة. الفن الحقيقي يحترم عين المشاهد ويترك له مساحة للتأمل، أنا أريد للعمل أن يحرك الإنسان، أن يجعله يشعر ويتفاعل، لا أن يكون مجرد تسلية. في الحرف العربي تحديداً هناك موسيقى عظيمة. الحروف تعزف موسيقى خاصة، وأنا أعمل على هذه الموسيقى وأحاول تحويلها إلى صورة.