مليارات الاستثمارات العربية والدولية في سورية بين الورق والتنفيذ

26 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 09:03 (توقيت القدس)
من حفل افتتاح خط أنابيب الغاز الطبيعي التركي - السوري في كِلس التركية (2/8/2025 Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في عام 2009، تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة النفط السورية وشركة نور الكويتية لإنشاء مصفاة نفط في دير الزور، لكن المشروع لم ينفذ بسبب رفض بشار الأسد، مما أثار تساؤلات حول المشاريع الاستثمارية الجديدة بقيمة 30 مليار دولار.

- تتضمن المشاريع الجديدة توقيع مذكرات تفاهم مع شركات مثل "أوباكو" و"Polidef"، التي تثير الشكوك بسبب قلة المعلومات عنها، بينما تحظى شركة "يو سي سي" القطرية بسمعة جيدة.

- تواجه الحكومة انتقادات لتركيز المشاريع في دمشق وريفها، مع مطالب بإنشاء خريطة استثمارية شاملة، وسط توقعات بخفض البطالة إلى 15% رغم الوضع السياسي الهش.

وقعت وزارة النفط السورية في عام 2009 مذكرة تفاهم مع شركة نورالكويتية لإنشاء مصفاة نفط في دير الزور بقيمة 1,2 مليار دولار. يومها، ثارت تساؤلاتنا، بأنه كيف لشركة كويتية أن تمتلك خبرة تؤهلها لتبني مصفاة نفط؟ اتضح، فيما بعد، أن الشركة الكويتية سوف تتعاقد مع أخرى فرنسية لبناء المصفاة، بينما ستكون الشركة الكويتية المسؤولة أمام الحكومة السورية. لم ير المشروع النور بسبب رفض بشّار الأسد، بحسب ما أخبرني وزير النفط، شخصياً، حين التقيتُه بعد عام من توقيع مذكّرة التفاهم، وسألته عن مصير مشروع مصفاة نفط دير الزور، فأشار بيده إلى الأعلى، بأن "المعلم" لم يوافق، مع أن المشروع كان سيساهم في تنمية المنطقة الشرقية ويشغل آلاف العمال. ويوفر على الدولة ملايين الدولارات سنوياً، بدلا من نقل النفط إلى مصفاتي بانياس وحمص من أجل تكريره. 


ما مناسبة الحديث عن مشروع مصفاة نفط دير الزور الذي لم ير النور؟ وما علاقته بالمشاريع الاستثمارية التي بدأت السلطات الجديدة في دمشق بتوقيعها منذ مطلع شهر مايو/أيار الماضي، وبلغت قيمتها أكثر من 30 مليار دولار؟
لو أردنا أن نكون محايدين وموضوعيين، فهناك أكثر من رابط. أولاً، للردّ على من أثاروا قضايا وضع بعض الشركات التي جرى توقيع مذكّرات تفاهم معها، أنه لم يسبق لها القيام بأعمال مشابهة لما سوف تقوم به في سورية، وهو أمر يمكن الإجابة عنه، بأن "شركة نور" التي كانت على وشك تنفيذ مصفاة نفط في دير الزور لم يسبق لها القيام بمثل هذا العمل، لكن الكل كان على يقين بأن الشركة الكويتية كانت ستنفذ المشروع لو أن الحكومة السورية وقعت العقد النهائي معها. 

ثانياً، أغلب المشاريع التي جرى طرحها للاستثمار قديمة من أيام بشار الأسد وقبل انطلاق أحداث الثورة السورية في 2011 بسنوات، مثل مشاريع مترو دمشق وأبراج دمشق وبوابة دمشق للإنتاج الإعلامي والبوابة الثامنة، واستثمار مرفأي اللاذقية وطرطوس، بالإضافة إلى مشاريع سياحية ومشاريع بنى تحتية ومشاريع للطاقة الشمسية، لكن رئيس النظام السوري السابق كان يعطل قيام مثل هذه المشاريع، لأسباب لا يمكن تفسيرها إلا بالفساد. وهو ما حصل مع مشروع مصفاة نفط دير الزور التي كان مخطّطاً أن تساهم في تكرير جزء من النفط العراقي والحصول على عوائد مالية كبيرة. ولذلك يُؤمل من السلطة السورية أن تعيد فتح ملف المصفاة، لأنه مشروع حيوي وعوائده الاقتصادية كبيرة على خزينة الدولة.

تحظى شركة "يو سي سي" القطرية بسمعة جيدة وثقة كبيرة بقدرتها على تنفيذ المشاريع التي حصلت عليها

ثالثاً، حاول بعضهم تتبع حقيقة بعض شركات جرى توقيع مذكرات تفاهم معها، ومنها "أوباكو" الإيطالية و"يوباكو" السورية التي ستتولى بناء مشروع أبراج دمشق بقيمة 2,5 مليار يورو، ويضم 20 ألف شقة سكنية، موزعة على أكثر من 60 برجاً، يبلغ ارتفاع كل منها 25 طابقاً باستثناء أربعة أبراج بارتفاع 45 طابقاً. وجد هؤلاء المتتبعون أن الشركة تم تأسيسها في  يونيو/ حزيران 2022، برأسمال 16 ألف يورو، بينما بلغت إيراداتها السنوية في  2023 نحو 209 آلاف يورو، في حين لم يتجاوز عدد موظفيها الرسميين في 2025 موظفاً واحداً فقط. ولا بد أن تستوقف هذه المعلومات من يقرأها وتجعله ينظر بعين الريبة إلى إمكانية قيام مثل هذا المشروع. وفي المقابل، من تابع لقاء مدير الشركة، بسام السبع، على قناة الإخبارية السورية، يجد أن الرجل أبدى استعداده للبدء بالمشروع مباشرة وحال توقيع العقد النهائي مع شركته. ومن جهة ثانية، من يتتبع رأسمال شركات الاستثمار محدودة المسؤولية عند التأسيس، يجد أنها لا تتعدى بضعة آلاف من الدولارات، وبعضها أقل من ألف دولار، لأسباب لها علاقة بالضرائب ولسهولة الترخيص والعمل، وبالتالي، لا يعتبر ذلك طعناً في قدرة هذه الشركات على تنفيذ مشاريعها مهما علت قيمتها المادية، ويبقى الفيصل في ذلك نظرية "الجندي والحيط". فإذا كانت الحكومة جادّة في تنفيذ مشروع أبراج دمشق فعليها وكما طالب السبع، أن يتم توقيع العقد النهائي معه وإعطاؤه أمر مباشرة بالعمل، عندها ستحدّد شروط العقد إمكانية تنفيذ هذه الشركة المشروع من عدمه.
الشركة الأخرى التي ثارت الشكوك حولها تركية تدعى Polidef، وقيل إنها ستتولى إدارة مطار دمشق الدولي، حيث تبيّن، وبحسب كشف وسائل إعلام، أن الشركة شبه مجهولة الهوية، إذ لم يتوفر كامل المعلومات عنها وعن مشاريعها السابقة. وذكرت تلك الوسائل أن الموقع الإلكتروني للشركة (polidef.com) تم تسجيله حديثا في 9 الشهر الماضي (يوليو/ تموز 2024)، ولا يشتمل سوى على معلومات عامة ومبهمة، ولا وجود لها على منصّات مهنية مثل LinkedIn، ولا يوجد ما يشير إلى أي مشاريع سابقة نفذتها، أو حتى طاقم عمل يمكن البحث عنهم والتعرّف إلى أعمالهم أو خبراتهم. كما أن عنوانها المدرج على الموقع في إسطنبول لا يطابق سجلات الشركات العاملة في المبنى نفسه. كما أن رقم الهاتف االمدرج على موقع الشركة التركية مستخدم أيضا في موقع إلكتروني آخر يعود لشركة تدعى FALK Mühendislik İnşaat Sanayi ve Ticaret LTD، وتم تسجيله في 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، ويستخدم القالب نفسه للموقع الأول.
والموقع الثاني يقدم نفسه واجهةً لشركة إعمار، لكنه يخلو من أي معلومات حقيقية أو أعمال سابقة، ما يعزز، بحسب تلك الوسائل، فرضية أن الشركة قد تكون مجرد "شركة واجهة" (Shell Company) أنشئت خصيصا لتوقيع هذا العقد أو لإخفاء هوية الأطراف الحقيقية وراءها، وسط غياب كامل للشفافية من الجانب السوري الرسمي.
القول إن الشركة تم تأسيسها لتوقيع هذا العقد تحديداً ينفيه تاريخ تأسيسها، منتصف العام 2024، وكان النظام السابق موجوداً، ولم تكن مطروحة في ذلك الوقت مسألة سقوطه، بل كانت المعطيات تشير إلى إعادة تأهيله. ومن جهة أخرى، الشركة التي وقعت على عقد تطوير مطار دمشق الدولي، هي "يو سي سي" القطرية، وتعاقدت مع شركة تركية لتنفيذ المشروع، ما يعني أن المسؤولية الأولى والأخيرة أمام الحكومة السورية هي للشركة القطرية، مثلما كان الأمر مع "شركة نور" الكويتية التي كانت ستنفذ مشروع مصفاة نفط دير الزور، والتي كانت ستستعين بشركة فرنسية لتنفيذ المصفاة.
وتحظى "يو سي سي" القطرية، وبإجماع الكل، بسمعة جيدة وثقة كبيرة بقدرتها على تنفيذ المشاريع التي حصلت عليها، سواء في مجال تنفيذ محطات توليد الكهرباء بقيمة سبعة مليارات دولار، أو تطوير مطار دمشق الدولي بقيمة أربعة مليارات دولار. وبالتالي، لا نرى في الذين يبحثون هنا وهناك عن أي تفصيلة صغيرة إلا محاولة للتصيد والتشكيك بكل ما تقوم به السلطة الجديدة في دمشق، بينما المطلوب منهم الانتظار، فالزمن والاستقرار السياسي في البلد هما الحدّ الفاصل في تبيان حقيقة هذه المشاريع، صحيحة أو وهمية.

كان على الحكومة السورية أن تنجز خريطة استثمارية تشمل جميع المحافظات، وكل حسب خصائصها، زراعية كانت أم سياحية أم صناعية

بالنسبة للذين لم يتوقّفوا عند فكرة الشك بأهلية بعض الشركات لتنفيذ المشاريع التي جرى توقيع مذكّرات تفاهم معها، واستوقفتهم طبيعة المشاريع من كون معظمها موجها لذوي الدخل المرتفع، وغير معني بإعادة إعمار المناطق المدمّرة. وهم يرون أن الهدف الأسمى الذي يجب أن تعمل عليه الحكومة قبل أي شيء آخر، هو هذه المشاريع من أجل إعادة اللاجئين.

انتقادات ... وخريطة استثمارية مطلوبة

وأيضا هناك انتقادات جرى توجيهها بسبب تركز أغلب المشاريع في العاصمة دمشق وريفها، بينما خلت باقي المحافظات من أية مشاريع استثمار حقيقية، ما يعني أن التعويل على تشغيل اليد العاملة وإيجاد فرص عمل جديدة سوف ينحصر بدمشق، ويعني، من جهة ثانية، نزوح العمالة من باقي المحافظات إلى العاصمة، الأمر الذي سيُحدِث مشكلة كبيرة وعلى كل الصعد. 
ويمكن وصف هذا الأمر بالعيب الواضح، وكان على الحكومة السورية أن تنجز خريطة استثمارية تشمل جميع المحافظات، وكل حسب خصائصها، زراعية كانت أم سياحية أم صناعية. وبالنسبة إلى مشاريع إعادة إعمار المناطق المدمّرة، فهي مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى وليس المستثمر العربي أو الأجنبي أو حتى المحلي، الذي يبحث عن الربح قبل أي شيء آخر.  وبالتالي، يجب أن يكون لدى الحكومة خطة واضحة لمشاريع إعادة الإعمار وإسكان اللاجئين، من خلال إنشاء صندوق استثماري لهذا الغرض، أو عبر طلب الدعم من المنظمات الدولية والدول المانحة.أو دراسة الفرص الاستثمارية الحقيقية لكل منطقة وأقليم ومحافظة، ووضع الحوافز الاستثمارية الكافية لتشجيع المستثمرين على إقامة مشاريعهم في هذه المناطق. 

يرى محلّلون ومتابعون كثيرون إن المشاريع الاستثمارية بمليارات الدولارات التي جرى التوقيع عليها بين الحكومة السورية والشركات العربية والدولية سياسية أكثر منها اقتصادية، تهدف منها السلطة الجديدة إلى زيادة شرعيتها، عبر تقديم إغراءات للمواطن السوري لكي يتمسّك بها ويدافع عنها، على اعتبار أن القادم أفضل. ويشكك هؤلاء بحقيقة هذه الاستثمارات، مستشهدين بهشاشة الوضع السياسي في البلد وعدم سيطرة الدولة على أجزاء مهمة من سورية، بينما تتصاعد احتمالات المواجهة العسكرية في أي لحظة، فكيف لرأس المال أن يدخل بمليارات الدولارات إلى مثل هذا البلد، وهو الذي يوصف بأنه "رأس المال" جبان؟ ولا يدخل في اي مكان لا يؤمن له الديمومة والاستقرار طويل الأمد. 
يزيد من هذه الشكوك أن منتدى الاستثمار السعودي - السوري، الذي نتجت منه اتفاقيات بـسبعة مليارات دولار، عقد بعد أيام قليلة من أحداث السويداء، متهمين السعودية بأنها عبر هذا المنتدى إنما حاولت أن تقدّم رسائل سياسية أكثر منها اقتصادية، بأنها تدعم هذه السلطة وتقف إلى جانبها. إذاً، لا تطاول "الاتهامات" السلطة السورية وحدها بأنها تخدع شعبها وتخدّره، وإنما تطاول أيضا الدول الداعمة التي أرسلت مستثمريها نوعاً من الدعم السياسي فقط لا غير، حسب قولهم . ... ردّ على هذا الأمر المستثمرون السعوديون، وبالذات مدير شركة "أكوا بور" ورئيس مجلس الأعمال السعودي السوري، محمد أبو نيان، الذي قال أمام المنتدى إنهم لا يخشون المخاطر الاستثمارية في سورية، وإن لدى سورية فرصاً استثمارية وأيدي عاملة كبيرة ومدرّبة، وهي عوامل مشجعة لأي مستثمر. وأفاد المحلل الاقتصادي السعودي، علي الحازمي، في لقاء على قناة DW في 1  أغسطس/ آب الجاري، بأن الشركات السعودية التي جاءت إلى سورية كبرى ومعروفة في المملكة، ولديها مجالس إدارات ومساهمون كثر، وبالتالي لا يمكن لمجلس إدارة أي شركة أن يخاطر بحقوق المستثمرين لأهداف سياسية! فلولا أن هناك فرصاً استثمارية حقيقية وأرباحاً كبيرة في سورية، لما جاءت هذه الشركات إلى سورية، فهي في النهاية ليست جمعيات خيرية. وعدا عن ذلك، ما يشير إلى جدّية السعودية في استثماراتها في سورية توقيعها اتفاقية مع الحكومة السورية خاصة بحماية الاستثمارات والمستثمرين السعوديين، لتُشكِّل الأرضية الأساسية لكل الاستثمارات المتدفقة إلى البلاد.

يتوقع محللون أن تنخفض نسبة البطالة إلى 15% في حالة دوران عجلة الاقتصاد وبدء العمل في الاستثمارات السابقة

متى يرى المواطن السوري النتائج؟

تفيد الأرقام بأن المشاريع الاستثمارية التي تم التوقيع عليها قادرة على إيجاد أكثر من نصف مليون فرصة عمل بشكل مباشر، ونحو مليون فرصة عمل بشكل غير مباشر، على مدى ثلاث سنوات على الأقل. و يبلغ معدل البطالة في سورية أكثر من 60% من حجم القوى العاملة، وفقا لقول وزير الاقتصاد نضال الشعار في زيارته أخيراً تركيا، بينما يتوقع محللون أن تنخفض النسبة إلى 15% في حالة دوران عجلة الاقتصاد وبدء العمل في الاستثمارات السابقة. وبالنسبة إلى دورة المشاريع الاقتصادية، فهي تحتاج من عام ونصف إلى ثلاثة أعوام على الأقل،  لكي تدخل حيز التشغيل والعمل، وتوفر الاستقرار الاقتصادي للعاملين فيها. وهي مرحلة تختلف عن مرحلة الإنشاء، التي تستوعب يدا عاملة أكبر، لكنها غير مستقرّة، وهي من جهة ثانية تخضع لشروط الاستثمار ومدى توفره.
وفي العموم، سورية بلد منهك، وتحتاج إعادة بناء في كل القطاعات، بدءاً من التعليم إلى الصحّة إلى الكهرباء والمياه والإسكان، وكل شيء تقريباً بما في ذلك الإنسان، وهو أمر لا يمكن تحقيقه بلمسة سحرية، وواهم كل من يعتقد أن الانتعاش الاقتصادي قادم في غضون بضعة أشهر، أو حتى بضع سنوات، فأكثر التقديرات تفاؤلاً تفيد بأن سورية بحاجة إلى 20 عاماً على الأقل لكي تعود إلى مستويات العام 2010 من حيث الناتج المحلي الإجمالي، في حال تحقيق نسبة نمو سنوية تزيد عن 7%، حتى العام 2045.
لا يعني ذلك أن الواقع مظلم والمستقبل صعب إلى هذا الحد... المهم أن عجلة الحياة في سورية بدأت تسير إلى الأمام بعد أن ظلت 14 عاما تمشي إلى الخلف.

المساهمون