استمع إلى الملخص
- تواجه السلطة الجديدة تحديات اقتصادية كبيرة بسبب العقوبات والسياسات السابقة، مما يتطلب عملية إنقاذ شاملة لإعادة بناء الاقتصاد وتحسين ظروف المعيشة.
- تسعى السلطة لبناء نظام سياسي جديد خلال فترة انتقالية، مع تشكيل برلمان جزئي الانتخاب، وسط انتقادات لغياب التعددية الحزبية والسياسية.
لم يكن ذلك الصباح كما أيّ صباح في سورية، لمّا شقشق الضوءُ فيه مع الخبر الذي شعّ بأرطالٍ من السعادة والبهجة لسوريين بلا عدد (ولملايين العرب)، خبر تحرّر البلاد وخلاصها من نظام الاستبداد والقتل والفساد، نظام أسرة الأسد، وفرار الشخص الذي أحرَز رئاسته الجمهورية من حادث سيرٍ قضى فيه أخٌ له، ثم ورث البلد من أبيه، صانع عمارة القهر الذي أريد له أن يكون "إلى الأبد". انصرف ذلك الأبد إلى غير رجعةٍ في صباح اليوم الندّي، 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، فصار يوم عيدٍ وطنيٍّ سوري. ولمّا اكتمل عامٌ على ذلك اليوم الخالد، من بالغ الطبيعي أن يستعيد كل سوري تلك اللحظة، كيف عاشها، كيف فاجأته، كيف تلقّاها. ولكنه سيستعيد أيضاً وقائع وحوادث وتفاصيل ازدحم بها هذا العام الذي ضجّ بمشاعر واصطفافات ومواقف تسارعت وتتابعت، وكأنه كان عقداً، وليس اثني عشر شهراً. وقد زاول فيه عموم السوريين فائضاً من الحرية في نقد السلطة الجديدة، وفي الرضى عنها أيضاً. خاضوا في شأن المستقبل المشتهى، ومنهم من لم يعجبُهم العجب، ومعهم كل الحقّ، ومنهم من ماشوا السلطة في كل شأنٍ ومسألة، ومعهم كل الحق. وأكّد هذا كله أن الانعطافة الانتقالية حادّة وقوية، فقد غادر السوريون زمناً مديداً أثقل على أرواحهم وأبدانهم، ثم وجدوا أنفسهم في تمرينٍ على إدارة الخلاف والاختلاف فيما بينهم.
وفي الغضون، كان السؤال الاقتصادي العام، وما يتّصل به بشأن أحوال عيش السوريين وطبابتهم وسكنهم وتأميناتهم الاجتماعية وتعليم أبنائهم، وسائر قضاياهم اليومية، شديدَ الإلحاح والضغط، على السلطة الناشئة، وعلى المجتمع ونُخبه، سيّما وأن البلاد تحتاج عملية إسعاف كبرى، وهي التي ترزح تحت عقوباتٍ قاسية ظلمت الشعب طويلاً، ولم تؤذ آل الأسد ومشايعيها ولصوصها. فضلاً عن أن سياساتٍ اقتصادية أخذت السوريين إلى تباينات طبقية حادّة، ودمّرت العملة الوطنية، وخرّبت الإنتاج والصناعة والزراعة، بالتوازي مع عملية التهديم الكبرى في البشر والحجر 14 عاماً، معلومة النتائج الكارثية.
يُجيز هذا الإرث الثقيل، والشنيع، والمعقّد، القول إن من يتصدّون لمسؤولية معالجته، ولمحاولة الخروج منه، فدائيون. سيجتهدون ويصيبون ويخطئون، وهم في شحّ الموارد وقلّة الإمكانات وشتات الطاقات والخبرات السورية. لكنه ليس الإرث الوحيد، فقد خلّفت عقود آل الأسد صدعاً اجتماعياً، يأخذ وجهاً طائفياً، فكانت الفجيعة الدامية في مدن وبلدات في الساحل السوري في مارس/آذار الماضي، بعد أن أمكن لفلول متمرّدة، ذات نزوع طائفي، قتل أزيد من مائتي عنصر من الجيش والأمن، ثم أجهز طائفيون على نحو 1400 مدنيٍّ من الآمنين، عدا عن النهب والترويع. وليس المقام هنا لاستعادة المعلوم مما جرى، غير أن المقصد أن تلك الوقائع تظلّ الأسوأ من بين تفاصيل العام السوري الذي انفضى، حتى إذا دلفنا إلى يوليو/تموز الماضي، وجدنا أنفسنا أمام كارثة السويداء، والتي ما زالت جروحُها تتوالى، ليتأكّد، للمرّة المائة على الأقل، إن سورية ليست في الحال المُرضي، والمشتهى، وهي المستهدفة باعتداءاتٍ إسرائيليةٍ شبه يومية، وبقرار في دولة الاحتلال بأن لا تنعم بالاستقرار الذي تنشد، ولا بالطمأنينة العامّة التي يتطلع إليها كل سوري.
اختارت السلطة في العام الذي انقضى مساراً لبناء النظام السياسي، المفترض أن يعبر بالبلد من حال إلى حال، مروراً بالظرف الانتقالي الذي تحدّدت له خمس سنوات. وفي هذا النظام الذي لمّا يكتمل بعد، برلمانٌ تشكّل بعضه، بشيءٍ من الانتخاب، وبعضه الآخر مرتقبٌ تعيينه، لا يشبه البرلمانات المعهودة في نظم مستقرّة، يسوّغ نفسه بنفسه، إنه من لزوم الطبيعة الانتقالية، الخاصّة، والحسّاسة، سيما وأن شروطاً كثيرةً لم تتهيأ لتنظيم انتخابات ناجحة، في بيئةٍ من التعدّدية الحزبية والسياسية والمدنية، غائبة. وقد اجتهد كثيرون من أهل المعرفة، وخدشوا في الخيار الذي أخذت به السلطة، وما يزال آخرون ينشطون في مطلبهم التراجع عن هذا المسار، والأخذ بغيرِه، وهم يعلمون أن هذا لن يكون.
مطبّات بلا عدد، وإخفافاتٌ ونجاحات، وانتظاراتٌ وآمال، والتباساتٌ وأسئلة، عوينت في سورية قلقة، ومقلقة، في عامٍ لا بأس من القول إن مقادير الإرتباك فيه كثيرة، غير أن القناعة إن سورية ستمضي إلى ما هو أحسن وأفضل... وهذا رهانُ الواثقين بقدرات شعبها، وصاحب السطور منهم بداهة.