عبد الوهاب الأفندي: تأمّلات في "بؤس العلوم السياسية"

10 فبراير 2023
عبد الوهاب الأفندي خلال المؤتمر
+ الخط -

"اقتنعتُ مبكّراً بقولة ماركس ببؤس الفلسفة، فتركتُها واتّجهتُ إلى العلوم السياسية، ولكن ها قد جاء دوري لأكتشف بؤس العلوم السياسية"، هكذا افتتح الباحث السوداني عبد الوهاب الأفندي كلمته ضمن المؤتمر الذي نظّمه "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" تحت عنوان "التفكير في العلوم الإنسانية في العالم العربي" أوّل أمس في "كوليج دو فرانس" بباريس.

عودة الأفندي إلى بداياته البحثية كانت مدخلاً لمجموعة أطروحات حول واقع العلوم السياسية في العالم العربي، في كلمة فضّل ألّا يجعلها محاضرة خاضعة للمعايير الأكاديمية، فلم يكتف بإشكالية وحيدة ولم يطرح خلالها فرضيات بحثية أو مدوّنة ثابتة يُعمل فيها أدوات التحليل. كانت الكلمة أقرب إلى تداعي أفكار حاول أن يلامس عبره خلاصات ومقولات - تستند إلى خبرة عقود - حول العلوم السياسية.

يقدّم الأفندي قراءة في المسار العربي لهذا الحقل المعرفي، ويقف عند سؤال محوريّ: لماذا فشلت العلوم السياسية في التنبّؤ بالثورات؟

هل تفيد قراءة الحاصل بشيء إذا لم تتح لنا النظر أبعد؟

يذكر الأفندي فئةً من الباحثين تبرّر هذا العجز بقول مفادُه أنّ العلوم السياسية لا تتنبّأ، بل تقرأ الحاصل. لكن، هل تفيد قراءة الحاصل بشيء إذا لم تتح لنا النظر أبعد؟ يذكر الأفندي أكثر من ذلك، حين يشير إلى أنّ بعض الباحثين يرون أنّ المجتمع العربي متصالح مع الطغيان، وأنّ الطغيان هو الشكل الوحيد لحكمه، ويفنّد ذلك بسؤال إنكاري: لماذا، إذن، هذا العنف الذي تمارسه الأنظمة وعدم قدرتها على الضبط؟

يضيف أيضاً أنه "لو كانت الشعوب العربية تستطيب الطغيان، فإنّ الدمار في سورية واليمن كان سيجعلها تنكص عن كل محاولة لقلب الأنظمة، غير أن موجة جديدة للثورات حدثت في السودان والجزائر وغيرها في 2019".

يتوسّع الأفندي في طرح إشكالية الدولة في السياق العربي، الدولة بصيغتها القامعة التي كانت سبباً في الوصول إلى طريق مسدود مع شعوبها، وهو نموذج يقترح لتفسيره استعارة علمية حين يقول بـ"الدولة باعتبارها ثقباً أسوداً"، وهو ذلك النموذج الاختزالي باستمرار؛ حيث تتقلّص الدولة إلى تيار ثم إلى حزب ثم إلى مجموعة، غالباً طائفة، إلى أن تتقلّص إلى أسرة، وهذا الوضع كما يلاحظ الأفندي لا يمكن أن يستمر.

يستشهد الباحث السوداني أيضاً بجمال الدين الأفغاني في معرض حديثه عن أزمة العلوم السياسية عربياً، فيذكر أنّ الأخير لاحظ في 1881 أن المدارس قد مرّت على تأسيسها قرابة ستة عقود في الهند (جزء من العالم الإسلامي)، لكن المعرفة بقيت غير موطّنة، باعتبار أنّ الكتب ظلت أجنبية والطلبة يكملون تعليمهم في المركز الأوروبي، وفسّر الأفغاني ذلك بغياب ترافق تدريس العلوم بتعليم الفلسفة، ووصل إلى نتيجة مفادها أنّ إنتاج العلوم غير ممكن دون إطار نظري، وهي الخلاصة التي يرى الافندي أنها تنطبق على حال العلوم السياسية، ويستعيد صورة من الأفغاني حين قال بأن هذا الوضع أشبه بوضع أوراق خضراء على شجرة ميتة. ومن المؤكد أن شجرة كهذه لن تثمر قراءات صائبة حول الواقع.

في كلّ ذلك، تظل العلوم السياسية العربية غير قادرة على التنبؤ، وفي ذلك بعضٌ من بؤسها، لكن الأفندي لا يُرجع الأمر للباحثين العرب وحدهم، إذ يوجد أيضاً بؤس للعلوم السياسة الغربية في فهم العالم العربي.

المساهمون