رحلة الألوسي.. نشوة الذهاب والإياب من بغداد إلى إسطنبول

23 فبراير 2019
رسم لإسطنبول في منتصف القرن التاسع عشر
+ الخط -

ضمن سلسلة أدب الرحلة، صدر منذ أيام كتاب "نشوة الشمول في السفر إلى إسلامبول ونشوة المُدام في العود إلى مدينة السلام"، للرحالة أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود الألوسي، من تحقيق وتقديم الباحث هيثم سرحان. والكتاب فاز هذا العام بجائزة ابن بطوطة لتحقيق المخطوطات.

زمن الرحلة هو ما بين 1851 و1852، والكتاب في الأصل عبارة عن تحقيق مخطوطتين لرحلتين، الأولى ذهاباً من بغداد إلى إسطنبول، والثانية، عودة من إسطنبول إلى بغداد.

يكتب محقق الكتاب تقديماً يعتبر مدخلاً أساسياً لهذه الرحلة، يجلي الكثير من مغالقها ويقرأ أهميتها، ويجيب عن الأسئلة الصامتة التي تطرحها هذه الرحلة التي دامت في مجملها 22 شهراً، بين ذهاب وإياب وإقامة في إسطنبول تشتمل على شقين "رحلة ذهاب المؤلف وسفره من بغداد إلى إسلامبول الموسومة بـ "نشوة الشمول في الشفر إلى إسلامبول"، التي انتهى المؤلف من تأليفها في إسلامبول سنة 1268 هـ، ورحلة إيابه وقفوله الموسمة بـ "نشوة المدام في العودة إلى مدينة السلام" التي أنهى المؤلف تأليفها في 27 رجب 1270 بعد ستة عشر شهراً من عودته ووصوله إلى بغداد".

ويتوقف المحقق عند ثلاثة أزمنة مهمة، أولاً زمن الرحلة الفعلي، بما يكتنفها من مشاهدات وانطباعات وحياة، وزمن الكتابة، وهو زمن آخر، يعيد فيه الرحالة تركيب الأحداث والمشاهدات، وزمن ثالث، هو زمن النشر، وهو زمن لاحق.

غير أن الوقائع الفعلية للإقامة في إسطنبول، ستنشر في كتاب منفصل تحت عنوان "غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب" في مطبعة حجرية في مطبعة الشابندر ببغداد سنة 1327 مـ.


من هو الألوسي؟

يشير محقق الرحلة إلى أن أبا الثناء الألوسي ينتمي إلى إحدى الأسر العلمية العريقة في بغداد والعراق، وهو سليل الألوسيين، وهي أسرة علمية بغدادية شهيرة، وأصلهم من جزيرة ألوس، وهي جزيرة صغيرة في ثبج الفرات.

وقد انتقلوا إلى بغداد، وعاشوا فيها وكانوا من خيرة نخبها: قضاة، ومهندسون وسياسيون وإداريون. وأبو الثناء الألوسي، مؤلف الرحلتين، هو من الصف الأول في العائلة الألوسية.
وقد كان مفتي دار السلام وصاحب علم ومعرفة، ومكانته في بغداد كانت محفوظة، وهو نتيجة لتلك الرتب السنية التي حازها وشيوع اسمه في العراق وفي أرجاء الدولة العثمانية، فقد جلب له ذلك الكثير من المتاعب، وكان أن وقع في شراك الحساد، فكادوا له من ممثلي السلطات العثمانية، فعزل عن الإفتاء، وحوصر مادياً، وعاش مرحلة صعبة من العسر والآلام.

ولعل سبب ذلك كونه لم يحضر وليمة ختان دعاه إليها والي بغداد، جعل مناوئيه يوغرون صدر الوالي، فكان أن رفع الأخيرة رسالة إلى الباب العالي يطلب عزل المفتي، وهو ما تأتى له. ولعل أهمية الرحلة إلى إسطنبول تأتي في سياق ما تعرض له أبو الثناء الألوسي من متاعب، فكانت هذه الرحلة إلى الباب العالي بمثابة تعزية للنفس وهروب من مكائد دار السلام، التي تكالبت عليه، وعزلته من أرفع مناصبه، وحاصرته في معيشه بحرمانه من مصادر عيشه.

إنها من الناحية التوصيف الدقيق، وكما يذهب إلى ذلك محقق الكتاب، ليست رحلة عادية، بل هي سياحة صوفية، واستشفاء روحي من الضرر الذي لحق به، وهروب من الكدر والمكدرين.
وهي بالتالي، رحلة هروب من الألم حتى إن القرطاس ليسود من كلماتها ولسان القلم يتشقق عن ذكرها.


أهمية الرحلة

في تقديم هذه الرحلة، يؤكد مركز ارتياد الآفاق، الجهة الناشرة والمنظمة لجائزة الرحلة، أن رحلة أبي الثناء الألوسي، الكاتب ومفتي بغداد في النصف الأول من القرن التاسع عشر، تكتسي أهمية أدبية وتاريخية خاصة، ويعتبر أن الألوسي يمثل امتداداً طبيعياً للمثقف الإصلاحي، والبعض يعده من العلامات البارزة لمثقفي السلطة العثمانية، مثل عبد الحميد الكاتب وابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي.

كما أن مكانته كانت محفوظة، حيث حظي بالتوقير من الباب العالي، ما مكنه أن يكون جسر عبور وتواصل بين المنادين بالإصلاح والسلطة العثمانية في عهد الإصلاحات التنظيمية والإدارية، كما اكتسب المكانة المرموقة وسط طلابه وزائريه ومحبيه، وشاع صيته في مختلف أنحاء الأقطار العربية والإسلامية، وكاتبوه مستفهمين وسائلين، بل إنه نال حتى المدح والقريض من شعراء زمانه.

ويسجل على هذه الرحلة أنها لم تأت أيام مجده وعزه، وربما لو تمت في ذلك الوقت لما كان لها هذه القوة والصيت، أو ربما لما وجد كاتبها الوقت لتدوينها بتلك العبارات الحارقة المشوقة، وتلك النفس المتلهفة للخلاص من كيد الأيام ونكد الليالي.

بل إن الرحلة جاءت في فترة أفول نجمه بعد أن عزل من منصب الإفتاء وزوال الحظوة عنه. لكن هذا الوضع الجديد هو ما جعله يفجر ملكته اللغوية وبراعته الأسلوبية، في استعراض بيّن، كأنما يبز أقرانه ومعاصريه، ويكشف لحاسديه ومكايديه على منجمه الذهبي الساطع، ورسوخ معرفته وأدبه، ورفعة علمه، وما هو قادر على فعله من بيان وتبيين.

في بداية رحلة "نشوة الشمول في السفر إلى إسلامبول"، يفسر الألوسي بواعث الارتحال من بغداد، وهو يوضحها كالتالي: "وعلى العلات أقول، وإن كان في قصتي طول وأنت ملول، يا ولدي، وفلذة كبدي، سافرت من الزوراء لأمور يتشقق لسان القلم عن ذكرها، ويسود وجه القرطاس مما يصيبه من لطم أكف سودها لدى سطرها. ولعلك يا بني واقف على بعضها، بل محيط بأسرها على طولها وعرضها. وكان الداعي ظاهراً لسفري عرض أسفاري تفسيري روح المعاني، وإماطة ما غبر وجه فضلي من عثير الافتراء علي في هاتيك المغاني، حتى رميت بثالثة الأثافي، وقص من جناحي القدامى والخوافي، وصرت هدفاً لسهام الأيام والليال، فلو سقى الحيا جدثي لأنبت تربتي نبال".


استعراض للمعرفة

إن الألوسي في رحلته، حتى وإن لم يكشف عن ذلك بشكل صريح، لم يكن همه الوحيد هو التأريخ لمروره من المدن والأمصار والقرى والجبال أو وصف مشاق السفر، حتى وإن كان ذلك معتبراً على أهميته القصوى بالنسبة للرحالة، ولكن غرضه الأساس، كان استعراض معرفته الدقيقة بالاجتماع وعلوم الفلك وقراءته الدقيقة لأحوال الناس، وفهمه العميق لمنازل النجوم، لكي يبين للخصوم أنه صاحب معرفة، وأن بغداد التي حاصرته، لن تستطيع سد الأبواب أمام علمه ومعرفته التي تسافر في الزمان والمكان حرة طليقة، تمنحه الحظوة أينما حل وارتحل وتجسر له الطريق بين عرب وعجم. وذلك كله في سبك محكم وسلاسة بيانية لا تتأتى إلا لمن خبر بواطن الثقافة العربية وعقلها، وأدرك علومها، ومحكمها ومطلقها. أليس هو يد دار الإفتاء في بغداد، ومتكلمها الأول، حتى وإن زرت به الحواديث!


الوصول إلى قرية أندروس

من المقاطع الجميلة في رحلة الذهاب إلى إسطنبول، نعرض هذا النص من الرحلة، وفيه يتبدى الغنى المعرفي لصاحبه ورؤيته التي تقبل بالمتعدد والمختلف، لا على مستوى الدين الواحد، بل على مستوى الديانات الأخرى، يقول "ولما بدت مليكة النهار، وليس في دارة الفلك الدائر غيرها ديار، سرنا في طريق لوعره غير مأنوس، ولم نزل نسير حتى أتينا قرية أندروس، وهي تشتمل من بيوت المسلمين على خمسين، ومن بيوت النصارى على ثلاث من المئين، والظاهر أنه لكل معبد، وفرق بين ثلّث ومن وحّد، وفيها مياه وفيرة، وبساتين نفسية كثيرة، وقد حوت أنواعاً من الفاكهة منها التوت الأبيض، ودبسه لذيذ يستغنى به عن العسل ويتعوض، ولا أظن أن من شرب منه وأكل، يقول يوماً عسى العسل.

ومررنا على جبال حثت التراب على رؤوسها لما رأت ذوائب رياضها قد شابت، وكأنك بها تغسله بالبرد والثلج إذا رأتها قد عادت إلى عنفوان شبابها وآبت، ورأينا أودية مفعمة بكثير، من الماء العذب النمير، فخضناها، وما هبناها.

والزرع هناك منه قائم يميد، ومنها ما هو حصيد، وبتنا عند رجل اسمه مصطفى، في بستان إذا شم القلب نسيمها غفا، وذكر لنا أن البرد في الشتاء شديد، وأن الثلج يبلغ السرة وقد يزيد". بهذه الطريقة السلسلة في السرد يمضي أبو الثناء الألوسي في استعراض لغوي لا يضاهى.


من إسلامبول إلى رحلة العودة إلى دار السلام

لم يحدثنا أبو الثناء الألوسي طويلاً عن مقامه في إسطنبول، لكنه يقدم بعض المعلومات عن لقاءاته، مثلاً بشيخ الإسلام هناك، ويقدم انطباعات عن المدينة التي سحرته وهو ينزل إليها بحراً، في رحلة طويلة جمعت بين البر والبحر، وبين السهل والجبل الوعر.

لقد خلبت إسطنبول لبه، وهو يشبهها بالمرأة الجميلة الفاتنة، حيث التقى بالصدر الأعظم، أو الوزير الأول بلغة اليوم، ونزل في دار الضيافة في الباب العالي، وحتى وهو معزول من كرسي الإفتاء، كانت مكانته العلمية محفوظة. وقد تجلى ذلك في الاستقبال الذي حظي به، حتى وإن كانت انتابته شكوك بعد النزول من السفينة، إلا أن الرجل الذي استقبله بمركب وقال له إنه مبعوث الوزير وقبل يده، أزال عنه الغمة وفرّج كربته.

وقد أوحى أبو الثناء الألوسي للقارئ أنه قام برحلته وحيداً، ولا ندري مقدار صحة ذلك، حتى إنه لا يعرف أين يذهب وإلى أين يسير.

إن المفتي لا يجد غضاضة في استعمال مفردات وتعابير تكشف عن انفتاحه وعدم انغلاقه، يقول في وصف لحظة وصوله إلى مرسى إسطنبول "ثم لم يزل الوابور يسير كأنه عاشق التهبت نيران الهوى في فؤاده، فأسرع ليحظى بمعشوقه وقد دعاه لوصاله، تاركاً لذيذ سهاده. أو كأنه سمكة قصدها كوسج، فجعلت تخفق بأجنحتها قاصدة للخلاص من مهج، والريح قد ماتت فلا يحس منها بنسيم، والبحر ركد حتى يخيله ذو الذهن السيال أنه دهن جمد من قديم، إلى أن انساب في ثغر القسطنطينية، فضم جناحيه خضعاناً لهيبة الدولة العلية، لا زالت سفائن أمنها تجري في بحار العزة والعظمة، برياح أنفاس الهمم المجيدية، بحرمة أهل البيت النبوي الذين هم كسفينة نوح عليه السلام بين الأمة المحمدية".

هكذا تتبدى بشكل جلي مهارة أبي الثناء الألوسي البيانية وقوته البلاغية، وخفة روحه المبثوثة بين ثنايا هذه الرحلة الوارفة.

ولأن لكل ذهاب لا بد من إياب، فإن رحلة العودة التي عنونها بـ "نشوة المدام في العود إلى مدينة السلام"، ستكون بدورها شائقة، وفيها الكثير من الفصول المهمة ومن الطرائف، مثل ما وقع معه في الحمّام المختلط في آمد، حين هجمت نسوة ببراقع على الحمام واحتللن غرفته الوسطى، وكان الألوسي وقتها يهم بالابتراد قليلاً حتى يذهب عنه عرق الحمام ويلبس ثوبه ويخرج، لكن هروع النسوة لا مباليات إلى قاعة الحمام، عجّل من خروجه، وهو لا يصدق الأمر، وقد فُسر له الأمر بعد ذلك، على أنه من عادات أهل البلد.

وهو في كل رحلة العودة، التي يريدها أن تكون سريعة إلى دار السلام، سيلتقي كبار الشخصيات والأعيان والفقهاء والوزراء والفقهاء وسيناقشهم ويحاججهم كما سيؤاكلهم ويسامرهم. ولم يكن له أن ينعم فقط باللحظات الجيدة المريحة، بل كان لا بد من بعض "الشو" الذي يعطي لرحلته بعض الملح الدرامي، مثلاً حين حديثه عن البراغيث، حين حلوله في قرية تزيان، التي داهمته في الليل وقضت مضجعه، وهذا غيض من فيض.

المساهمون