مسلسل شوغر: المُحقّق يعاني رعشةً في إحدى يديه

مسلسل شوغر: المُحقّق يعاني رعشةً في إحدى يديه

15 مايو 2024
العمل من بطولة الممثل الأيرلندي كولن فارل (أبل تي في)
+ الخط -

هناك نوع سينمائي أميركي فرعي أُنتج في ظلاله العديد من الأفلام. النوع المعني هو فيلم نوار (Noir Film) الدائرة أحداثه في كاليفورنيا، تحديداً في مدينة لوس أنجليس، والذي غالباً ما يكون نهارياً. ذلك النوع السينمائي الأشمل الذي شرب من أدب داشيل هاميت وريموند تشاندلر، وتوسّع في آلاف الاتجاهات في السينما، من كلاسيكيات الأربعينيات، مثل Double Indemnity للمخرج بيلي وايلدر، للعينات الأحدث زمنياً مثل "الحيّ الصيني" (1974، رومان بولانسكي) أو "إل إيه سرّي للغاية" (1997، كورتِس هانسون). هناك بعض المسلسلات التي دخلت أيضاً تحت رداء هذا النموذج، مثل الموسم الثاني من True Detective، أو "بيري ماسون". لكن لم يفعلها أحد من قبل مثلما فعلها Sugar (شوغر)، المسلسل الجديد الذي يكرّم هذا النوع ويخونه جذرياً.
على الفور، يمتلك "شوغر" كل ما يمكن أن يكون فيلم نوار لوس أنجليسي تقليديا. يلعب كولن فارِل دور محقق خاص يُدعى جون شوغر، يتحدث من خلال التعليق الصوتي، متبعاً جميع قواعد هذا النوع. الميزة الأولى للمسلسل، والأكثر لفتاً للانتباه، هي حقيقة أن شوغر سينيفيلي بامتياز؛ فهو يحب أفلام النوار البوليسية، ويذهب إلى السينما، بل ويقرأ المجلات مثل "سايت آند ساوند". ولع شوغر السينمائي مضمّن داخل سردية المسلسل؛ إذ يُدخل مبتكرو المسلسل مقاطع لأفلام كلاسيكية (معظمها - ولكن دون التقيّد بها - أفلام نوار بوليسية) في منتصف المَشاهد، كإشادة وتكريم. يتجوّل شوغر بسيارته عبر المدينة، فيقطع المسلسل على مشهدٍ مشابه من فيلم نوار. يدخل شوغر إلى منزل مسلّح، فيقطع المسلسل على همفري بوغارت في وضعٍ مماثل. وهكذا طوال الحلقات الثماني المكوّنة لأول مواسم المسلسل. يبدو الاقتراح وكأنه مختبر ترفيهي ورسالة حبّ إلى عالمه. لن يتجوّل جون شوغر بأنف مُصاب مثل جاك نيكلسون في "الحي الصيني"، أو مخموراً مثل بطل Boogie Nights (1997، بول توماس أندرسون)، فهو ببساطة يسير في الشوارع نفسها، لكن في زمنٍ آخر.


تبدو القضية/الحبكة أيضاً نموذجية؛ إذ يُعيِّن شوغر منتجُ أفلام هوليوودي مشهور يدعى جوناثان سيغال (جيمس كرومويل) للتحقيق في اختفاء حفيدته المحبوبة أوليفيا، وهي شابّة في العشرينيات من عمرها، ولها ماض من إدمان المخدرات. شوغر من معجبي سيغال (منتجاً لأفلام يحبّها)، وهو مفتون بكونه جزءاً من التحقيق. في الوقت نفسه، فإن بيرني (دينيس بوتسكاريس)، والد الفتاة المختفية، وهو أيضاً منتج سينمائي ولكن من دون أي هيبة، لا يُبدي أي قلق بخصوص مصير ابنته. يقول إن اختفاءها شيء تفعله عادة، وسيمضي بعض الوقت قبل أن تظهر مرة أخرى كعادتها. لكن والدتها ميلاني (آيمي رايان)، وهي مغنية روك سابقة وناشطة نسوية ومدمنة على الكحول، تعتقد بدورها أن الأمر مختلف هذه المرة، وأن أوليفيا "كانت بخير" عندما اختفت، وأن المخدرات ليست السبب.
وبطبيعة الحال، يتدخل شوغر للتحقيق في القضية المعقّدة، المحتوية على بلطجية ذوي نوايا غير واضحة، وأسرار عائلية (أوليفيا لديها أخ غير شقيق وهو ممثل، ولكنه سيئ للغاية)، وبعض الأسئلة المرتبطة بسياسات وكواليس صناعة السينما وعالم بأكمله يبدو أنه على صلة بالاتجار بالنساء، وقد تكون أوليفيا اقتيدت إليه في ظروف غامضة. لا شيء من هذا خارج عن المألوف في هذا النوع من القصص، ويتعامل معه المؤلف مارك بروتوسيفيتش بمهارة ومعرفة بالحالة، مع إدامة أجواء الغموض المحيط بالقضية مثل وجود كل مَن يمر عبر الشاشة. كما لا يوجد نقص في المرأة القاتلة (Femme Fatale)، والكحول مرافقاً دائماً للشخصيات، وموسيقى الجاز في الموسيقى التصويرية.
الأمر الأكثر وضوحاً وجلاءً، أن شوغر يروي تلك القصة، ما يجعلها نوار - كاليفورني واعيا بذاته ومسليا إلى حد بعيد، في مركزه محققا ذكيا وغامضا يتحمّل عبء تروما ما. لكن تحت هذا المستوى، تُحكى قصة أخرى، تبدو ثانوية في البداية وتزداد أهمية تدريجياً. الأمر يتعلّق بحياة المحقّق الشخصية، وعلاقته بامرأة تدعى روبي تعمل رئيسة له (تؤدي دورها الممثلة كيربي)، وجميع الأشخاص الآخرين المحيطين بهما. في الواقع، تنصح روبي شوغر بعدم التدخل كثيراً في التحقيق في اختفاء أوليفيا. لكن حتى مرور ثلاثة أرباع السلسلة، لن نعرف ما يدور حوله الأمر بالضبط.
هناك خصائص أخرى تتعلّق بشوغر نفسه تشير إلى وجود بعض الأشياء الغريبة التي تحدث في الأثناء. يعاني الرجل من رعشة في إحدى يديه، وتحمُّل استثنائي لشرب الكحول، ويجيد العديد من اللغات بطلاقة، وتراوده بعض الأحلام الغريبة، وإدمان على نوعٍ غامض من المخدرات، وعادة تدوين كلّ ما يفعله في دفتر صغير. يحوم شعور بالكآبة والوحدة فوق الشخصية، التي تلتهمها شياطين داخلية (جين، أخته المفقودة، والهزّات التي تسيطر عليه). شريكه الوحيد كلب شوارع يُدعى وايلر، ورثه من رجلٍ بلا مأوى ساعده. رأينا عدداً كافياً من الأفلام من هذا النوع لنتخيّل أن بعض التطورات غير المتوقعة ستفاجئنا في أي لحظة. وهذا ما يحدث بالفعل، ولكنه أغرب بكثير مما يمكن لأي شخص أن يتخيّله ويغيّر منطق القصة قليلاً.
الاستمتاع بالمسلسل ككلّ سيعتمد كثيراً على كيفية تأقلم كل مُشاهد مع تلك التحوّلات التي يقترحها "شوغر"، وهي مذهلة وانقلابية إلى حدّ ما. بعضهم قد يراها تقلّبات مبالغا فيها، ولا تتكامل مع بقية القصة، فبمجرد أن يتضح ما نتحدث عنه، يصعب التقاط خيط القضية نفسها.

على أي حال، وبما أن هذه الاكتشافات احتلت في الغالب الحلقتين الأخيرتين، فإنها لا تفسد التعاطف الذي تمتّع به المسلسل حتى تلك اللحظة. بمعنى آخر، إذا لم يكن المتفرّج من أولئك الذين يعتبرون أن أهم شيء في العمل الفني هو نهايته، فسيلازمه الاستمتاع بالمسلسل. أما إذا وضع كل رهاناته على النهاية، فمن المرجح أن ينتهي به الأمر إلى إمساك رأسه حيرةً والتساؤل عن كيفية وصول الأمر إلى هناك.

خمس من الحلقات الثماني أخرجها البرازيلي فرناندو ميريليس ("مدينة الله"، و"البستاني المخلص"). وفي معظمه، يجمع المسلسل بين الولع بكلاسيكيات الأفلام، ووتيرة أقرب إلى أنماط السرد القصصي التلفزيوني المعاصر. وبعيداً عن التقلبات غير المتوقعة، فإن حبكته البوليسية/التحقيقية نفسها تعمل بسلاسة وبساطة نسبيتين، من دون أن تصبح أكثر تعقيداً مما هو متوقَّع، وهذا عنصر آخر يربطها أكثر بالخصائص النموذجية لفيلم النوارالكاليفورني، بدءاً من فيلم "النوم الكبير" (1946، هاورد هوكس) وما بعده. أما المفاجآت هنا فتأتي من ناحية أخرى. إنها موجودة في دستور المسلسل وفي الأفكار التي تعمل تحت السطح. لكن لا يمكن كشف المزيد لأنه، كما يحدث دائماً في هذا النوع من القصص، هناك أسرار خطيرة للغاية يستحسن أن يكتشفها المتفرّج بنفسه.

المساهمون