الصحافة النابليونية... أحلام الإمبراطور أوامر

نابليون
15 مايو 2024
+ الخط -
اظهر الملخص
- يتناول النص أسباب التفاهة في وسائل الإعلام والرواية الواحدة، مشيرًا إلى استخدام نابليون لأساليب قمعية للسيطرة على الإعلام في فرنسا، وتأثير ذلك على العالم بما في ذلك الدول العربية.
- يُفصل النص في الأساليب التي استخدمها نابليون للسيطرة على الإعلام، مثل تقليل عدد الصحف، تقييد حجمها، ومعاقبة الصحفيين الذين يخالفون الرواية الرسمية، مما يعكس رغبته في السيطرة الكاملة على المعلومات.
- يختتم النص بالإشارة إلى استمرارية أساليب نابليون في العصر الحالي، حيث يُستخدم الإعلام كأداة للسلطة، ويُقمع الصحافة الحرة لتقديم روايات تخدم مصالح الحكام، مما يُظهر استمرار الأساليب الاستبدادية في التعامل مع الإعلام.

هل تساءلت يوماً عن سبب التفاهة التي تملأ وسائل إعلام بلدك؟ أو لماذا اختار إعلام ديكتاتورك أن يمدك برواية محددة عن كل ما يجري حولك ويحجب أخرى؟ ولماذا يستخدم مصطلحات بعينها ويعمد إلى محو أخرى من ذاكرتك؟ ولماذا قد يعاقب من ينافقونه وينقلب عليهم؟.

ربما يدهشك تشابه السطور التالية مع الواقع الذي تعيشه، إلا أنها بالتأكيد ستمنحك إجابات عن الأسئلة السابقة رغم أن ما تحويه من تفاصيل حدث قبل مائتي عام، وتحديداً في فرنسا التي استوردنا منها القوانين النابليونية Code Napoléon، وباتت نموذجاً، احتُذي به في كتابة عدد من قوانين بلدان العالم المختلفة، ومنها بالطبع دولنا العربية، لكن وإن كانت تلك النصوص المصاغة بفن وحرفية، بحاجة إلى درس وفهم، لكن طريقة تعامل الإمبراطور مع صحافته لم نكن في حاجة إلى الاهتداء بها، إذ إن خبرتنا في القمع قد يتعلم منها نابليون عظيم المجد والأخطاء في حال كان على قيد الحياة.

ويمكن حصر أساليب التعامل النابليوني مع الإعلام في عدة خطوات أساسية، أولاها الصحف الكثيرة مربكة، يجب أن يقل عددها وتُختصر صفحاتها، وهكذا كانت أول خطوة بعدما دخل دستور نابليون القنصلي حيز التنفيذ في عام 1799 وعقب شهر من سيطرته المطلقة على البلاد، وعلى الفور أمر بإغلاق 60 صحيفة من أصل 73 كانت تعمل آنذاك، وحتى المتبقية سرعان ما أغلق 9 منها، ولم يبق غير 4 وضعت تحت الرقابة المشددة لوزير الشرطة، وصغر حجمها لدرجة أن الإنكليز كانوا يسخرون منها، ويطلقون عليها "مناديل الجيب" بسبب حجمها المختزل إلى أقصى الحدود، كما أنها لم تكن تطبع سوى تفاهات لا تكاد تجد لها قراءً.

وبطبيعة الحال لا يتقبل الديكتاتور أي مظهر لحرية الصحافة، لأنه ببساطة ليس مديناً بسلطته اللا محدودة إلا لجنوده وقادته الذين شاركوه انقلابه، وهو ما يختصره نابليون في قوله المأثور "الكتائب دائماً على حق".

لكن حتى النفاق قد يكون خطراً في عهود الاستبداد، وبالتأكيد فإن الصحافيين المنتفعين من الديكتاتورية ليسوا في مأمن من خطرها، فعندما تماهت صحيفة "غازيت فرنسا" مع الجو المشبع بالنفاق، وراحت تمجد طيبة قلب الإمبراطور في غمرة فرحه بولادة ولي العهد عام 1811، وتتحدث عن استجابته لطلب سائل، انفجر نابليون وكتب على الفور إلى وزير الشرطة: "حضرة الدوق دوروفيغو من الذي سمح لـ"غازيت فرنسا" بنشر المقال السخيف جداً والصادر فيها اليوم حول شخصي؟"، وأصدر أوامره بإقالة رئيس التحرير فوراً لأن "ذلك الرجل زادت بلادته"، ولا شك كما يقول الأكاديمي الروسي إيفغيني تارليه في كتابه "نابليون بونابرت"، إن الإمبراطور يمكن أن يغفر بسهولة لمن يروج عنه بأنه وحش مفترس أو كما قال ذات مرة لأخيه الصغير لويس بونابرت والذي نصبه ملكاً على هولندا، بعدما تباهى أمامه بأنه محبوب، فقاطعه بخشونة: "يا أخي حين يقال إن ملكاً طيب القلب فهذا يعني أن الحكم في خبر كان".

وفي واقعة مشابهة جرت في عام 1810 كتب شخص يدعى برويل بوفير كتاباً بعنوان "أعمال الفلاسفة والجمهوريين" شاتماً الثوريين (أعداء البلد) بأقذع النعوت والألفاظ، في مقابل تملق نابليون بشكل يندى له الجبين وبالطبع منّى نفسه بأنه سينشر كتابه بدون معوقات، لكنه أخطأ التقدير، فقد منع الكتاب وصودر، والتعليل "الذكريات المؤلمة التي يثيرها" حسبما ورد في قرار المنع الرسمي.

وتفسر الواقعة السابقة لماذا يرفض المستبد تغطية قصص ما، أو استخدام مصطلحات محددة، إذ استبعد نابليون كلمة ثورة من الصحافة التي لم تجد سوى التفاهات لتحكي قصصها، وفي الوقت نفسه لم يأمر الإمبراطور الصحف بمواجهة المبادئ الثورية وتشويهها لأنه يريد إغلاق النقاش العام حول تلك الفترة، ولا يريد للقراء تذكر تلك المبادئ التي نودي بها في وقت سابق، وكذلك الأوقات والأماكن التي امتلكوا إرادتهم فيها، حتى إنه أمر بحظر تداول بعض الصحف الألمانية في إمبراطوريته، رغم أنها كانت تخوض نضالاً شرساً في وجه الأيديلوجية الثورية، وترفع نابليون إلى عنان السماء بسبب خنقه الثورة في فرنسا، وكذلك حظر الإشارة في الكتب المدرسية إلى الجمهورية التي وأدها من أجل تنصيب نفسه إمبراطوراً، وهو ما يختصره نابليون في أن إدارة شؤون الصحافة تستوجب وجود سوط ومهماز (قطعة حديد تكون في عقب الراكب، ينخس بها بطن الدابة حتى تسرع في المشي).

أما المطابع فقد تعرضت لمداهمات لا تنتهي كانت تقع بشكل مفاجئ من أجل السيطرة على كل ما يمكن أن تنشره، كما أخضع نابليون صحافة الشعوب المهزومة لنير خانق، فالتلميح مهما كان ضئيلاً إلى عبودية الوطن، لا يعني مجرد التهديد بالإغلاق الفوري للصحيفة او مجرد تعريض الكتاب للمصادرة، بل يتضمن أيضاً أن الكاتب صار في دائرة الخطر، وخير مثال صاحب مكتبة يدعى بالم أعدم رمياً بالرصاص في نورمبرغ بولاية بافاريا التي كانت تخضع لاحتلاله، لمجرد أنه رفض الإفصاح عن اسم مؤلف نشرة لم يرض عنها نابليون، وهذا المثال يكشف عما كان يتربص بالكتاب والناشرين في البلدان التي تدار عسكرياً لدى أبسط شكوى من مصير الوطن المضطهد.

وهكذا كانت الأفكار الموجهة إلى كامل السياسة النابليونية في مجال الصحافة متمثلة بتدابير غاية في القسوة، لطمس كل ذكرى عن الأحداث والمبادئ الثورية في فرنسا، وبتدابير لا تقل قسوة لملاحقة كل تلميح إلى التحرر الوطني، وحق الشعوب في أن تحكم نفسها بنفسها، وهي المبادئ التي قامت عليها الثورة الفرنسية التي أتت به حاكماً للبلاد.

وتؤكد واقعة أخرى احتقار الإمبراطور وشرطته للصحافة ومحاولاتها للحديث عن معاناة الناس حتى ولو كانت على استحياء، إذ بينما أوجع الحصار الاقتصادي الذي فرضه على إنكلترا المستهلكين في أوروبا الوسطى وتسبب في دمار البورجوازية التجارية وأصحاب المراكب على امتداد شاطئ شمال ألمانيا، ظهر لوم مبطن في الصحافة الألمانية، لما آلت إليه الأحوال من أجل نيل اهتمام الحكومة الفرنسية التي كانت تسيطر على بلادهم وتحتلها وفق ما جاء في ملفات الأرشيف الوطني ف 7، 3458، المؤرخة بـ 29 أغسطس/آب 1810 ضمن تقرير مرفوع إلى وزير الشرطة. ويضيف التقرير أن الألماني مولع بالنقاشات السياسية ويقرأ بنهم صحفه العديدة ومجلاته، والمنشورات والمسرحيات والروايات التي يتقن كتابها تمثيل كونفدرالية الراين التابعة لإمبراطورية نابليون باعتبارها رمزاً للعبودية، ولم يكن الوضع أفضل في هولندا المدمرة اقتصادياً بفعل الحصار القاري كذلك، لذا رصدتها أعين الرقباء الفرنسيين، وتوصلت إلى أنه "ثمة صحف في هولندا أكثر مما يجب"، كما جاء في تقرير آخر للشرطة، من الأرشيف الوطني ف 7، 3458.

التصرفات السابقة تفسر سر اهتمام المستبدين وهوسهم بالإعلام، والذي وصل إلى درجة أن نابليون تابع كل ما نشرته الصحف حتى أثناء معاركه، ومن بينها الحرب على روسيا في عام 1807، وقتها فوجئ القادة حوله به يطلق جماح غضبه على الآراء الأدبية الخرقاء التي جاءت في صحيفة ميركور دو فرانس فارضاً على وزير الشرطة فوشيه أن يعدل فوراً جميع الآراء في المجلة والتفتيش فوراً عن رئيس تحرير جديد "أوفر عقلاً".

ورغم ميل نابليون تجاه تقليص أعداد الصحف إلا أنه أصدر أمراً نادراً بطباعة واحدة بعينها وكانت تتضمن خبراً رئيسياً كاذباً، من أجل أن يخدع الجنرال ماك النمساوي في معركة أولم التي وقعت في عام 1805، عبر جاسوس روج أن ثورة ضد نابليون قامت في باريس ولتأكيد كلامه طبع عدداً خاصاً من صحيفة باريسية حملها جاسوس نابليون إلى ماك الذي اطمأن واستقر في مكانه حتى حاصره الإمبراطور وأسره نابليون وجيشه كله.

وهكذا كانت العلاقة بين الإمبراطور وصحافييه تقوم على إخضاعهم لأوامره باعتبارهم جنوداً عليهم الاصطفاف في فيالقه، ليتحولوا إلى مجرد أداة تعمل عند من يحكم، وهو ما يظهر لدى عودته من منفاه ليستعيد عرشه في عام 1815، إذ انتقلت النعوت المستخدمة في وصفه على مانشيتات الصحف الحكومية أو المقربة من الأوساط الرسمية العليا من "تنين كورسيكا نزل البحر في خليج جوان" وبعدها "الغول يزحف باتجاه غراس"، ثم "المغتصب دخل غرونوبل" ومن هنا بدأ التحول إلى "بونابرت احتل ليون"، ثم "نابليون يقترب من فونتينبلو" وأخيراً "جلالته الإمبراطورية ننتظره اليوم في مدينته الوفية". وهذا السلم الأدبي جرى عزفه في الأعداد المتعاقبة في الصحف نفسها وبالمحررين أنفسهم دون تغيير على امتداد أيام قليلة كما يقول تارليه، وهو ما يتكرر في عصرنا الحالي، والفارق أن نابليون كانت له إنجازات كما له إخفاقات ليس عسكرياً فقط بل إدارياً على عكس ما نعيشه حالياً، إذ غُيبت الصحافة وحظينا بالإخفاقات، فالديكتاتور لم ولن يقبل بصحف حرة، كما أن ممارساته النابعة من طريقة وصوله إلى الحكم لا بد أن تنعكس على ما يقبل أن يعرفه الشعب أو الرواية التي يوافق على تمريرها إليهم.