تهجير التجمعات البدوية في الضفة الغربية... محاكاة لمشاهد النكبة

تهجير التجمعات البدوية في الضفة الغربية... محاكاة لمشاهد النكبة

15 مايو 2024
إحدى عائلات خربة زنوتا أثناء مغادرتها، أكتوبر الماضي (ماركوس يام/Getty)
+ الخط -

لا تزال عشرات العائلات في تجمعات بدوية بالضفة الغربية المحتلة بلا مأوى بعد أن هُجّرت مرّات عديدة منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والتي تزامنت مع تصعيد تهجير التجمعات البدوية في الضفة والقرى الصغيرة بهدف تهجير سكّانها وإخلاء مناطقهم. وبينما لم يفلح منذ عقود مضت في الاستيلاء على تلك المناطق، يسارع الاحتلال الخطى اليوم لجعلها بؤراً استيطانية تمهيداً لشرعنة الاستيطان فيها، وضمّها للمناطق التي تصنف "ج"، أي الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، وفق اتفاقية أوسلو عام 1993، في مشاهد تعيد إلى الأذهان مرة أخرى أهداف الاحتلال من نكبة فلسطين عام 1948.

ويستخدم الاحتلال طرقاً عديدة في تهجير التجمعات البدوية في الضفة والفلسطينيين في القرى والبلدات، منها: الاستيطان الرعوي، وتعزيز عنف الجماعات الاستيطانية، والإخطار بحجّة البناء من دون ترخيص، ثم قرارات الهدم، ومنع البناء والتوسع العمراني، والاستيلاء على الأراضي والممتلكات بذريعة غير قانونية عنوانها "قانون أملاك الغائبين". ويستولي الاحتلال بموجب هذا القانون على أراضي الفلسطينيين الذين هُجّروا من أراضيهم عام 1948 بذريعة أنهم غائبون عنها.

تهجير التجمعات البدوية في الضفة

غير أن مشهد التهجير منذ بدء العدوان على القطاع وحتى اليوم، يحاكي مشهد النكبة في الـ15 من مايو/أيار 1948، حين استخدم الاحتلال أساليب قوّة السلاح والتهديد بالقتل وإطلاق النار وإحراق البيوت والممتلكات، كما جرى في مناطق عديدة بالخليل جنوبي الضفة الغربية، مثل خربة زنوتا جنوبها، وتجمع القانوب شمالاً، وتجمعات مسافر يطا جنوبي شرق المحافظة. وتمثّل تهجير التجمعات البدوية في الضفة بعد السابع من أكتوبر الماضي، بتهجير أهالي تجمّع القانوب شمال شرق بلدة سعير في الخليل، والتي كانت من أول الأماكن التي هجّر الاحتلال أصحابها تحت التهديد بالقتل في 11 أكتوبر الماضي.

يقول إبراهيم الشلالدة، أحد المهجّرين من التجمّع، خلال حديث مع "العربي الجديد"، إنهم "ما كانوا ليخرجوا من أرضهم لولا أن 50 مستوطناً مدججين بالأسلحة حاصروا التجمّع بشكل مفاجئ واقتحموا المنازل والخيام والكهوف التي يقيمون فيها، بعد منتصف ساعات الليل". ويضيف أن المستوطنين أجبروهم "تحت تهديد السلاح بالقتل وإما الخروج"، على مغادرة التجمع "من دون أن يحملوا معهم أي شيء من احتياجاتهم أو ممتلكاتهم الشخصية، أو حتى مركباتهم الخاصة". ويلفت إلى أنه "بعد مرور ليلة التهجير حينها، حاول الأهالي صبيحة اليوم الثاني الوصول إلى التجمع للعودة، إلا أنهم فوجئوا بأن ممتلكاتهم أُحرقت كلها".

ويصف الشلالدة هذه اللحظات بحسرة وندم. ويقول: "كان يوم خروجنا يوم نكبة حقيقياً، لم نتخيل أن نخرج من التجمع الذي نملك أوراقاً ثبوتية وتاريخية بأن الأرض التي عليه تعود لنا، ولذا حاولنا العودة بعد أيام، وفوجئنا بأن منازلنا أُحرقت ودُمّرت، حتى الكهوف الحجرية التي سكنّاها خرّبوها، وسرقوا كل أموالنا، ولا شيء معنا اليوم، ولا مكان نلجأ إليه، بعد تشتت عائلتنا المكوّنة من 20 شخصاً، حيث كل واحد فينا لجأ إلى مكان يؤويه".

استغلال حالة الطوارئ

ومنذ الأول من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لم تستطع 11 عائلة العودة إلى أراضيها في تجمع القانوب، حيث هجّر الاحتلال نحو 70 فرداً، مستغلاً بذلك حالة الطوارئ التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية، لتبرير المخططات الاستيطانية. وطاول تهجير التجمعات البدوية في الضفة تجمّع خربة زنوتا، والذي هجّره الاحتلال بعد بدء الحرب على القطاع، إذ يوضّح أحد أهاليه المهجّرين وهو عادل الطل، خلال حديث مع "العربي الجديد"، أنهم صمدوا 29 يوماً تحت الحصار قبل أن يغادروا التجمّع كآخر عائلة تُهجّر من الخربة في 15 نوفمبر الماضي. ويقول إنهم غادروا بعدما "مرّوا بفصول من العذاب لم تحظ بتغطية إعلامية أو دعم شعبي أو رسمي".

وما لم يفلح به الاحتلال منذ عام 1950 في تهجير الخربة التي يطول عمرها أكثر من عمر دولة إسرائيل، يحققه اليوم وسط صمت وغياب رسمي وشعبي ودولي، كما يروي الطل. ويضيف أن "أهالي الخربة لم يغادروها طوال عقود مضت وتحديداً منذ عام 2019، إذ كان الاحتلال يمنع عن الخربة الماء والكهرباء، ورعي الأغنام، وتقييد الحركة". ولم تمنعهم تلك الإجراءات من الصمود "الذي نفدت مقوّماته بعد أن وصلت الاعتداءات لتعريض النساء للضرب يومياً وتهديد الأطفال بالقتل، وحرق خيامهم ومنازلهم المكوّنة من صفائح الحديد، وسرقة أغنامهم التي تعتبر مصدر رزقهم".

ويسرد الطل شكل التهجير الذي حل بهم حين "اقتحم 10 مستوطنين من جماعة فتية التلال (الاستيطانية المتطرفة) التجمّع حاملين الأسلحة الرشاشة والسكاكين". ويضيف أن هؤلاء المستوطنين "كسّروا بعض المنازل، ثم عادوا في مركبات بعد أسبوع وهم ملثّمون، وحاولوا دهس الأطفال والنساء". ويلفت الطل إلى أن ذلك "استمر إلى نهاية شهر أكتوبر الماضي، إذ أحرقوا نحو 10 منازل سكنية ومنشآت زراعية، فيما لم تخل المدة بين هذه الأيام كلها من التخويف والترهيب بإطلاق النار في ساعات الليل، حتى أُجبر الأهالي كلهم تدريجياً على مغادرة التجمع الذي بات اليوم يسيطر عليه الاحتلال بالكامل".

لم يلتزم الاحتلال بحكم السلطات القضائية الإسرائيلية بعودة أهالي تجمّع خربة زنوتا

ويتخوّف أهالي التجمع بحسب الطل "من أن لا يتمكنوا من العودة إليه، رغم تقديمهم اعتراضا في المحاكم الإسرائيلية، والتي قضت بعودتهم إلى تجمّعهم، لكن السلطات الاحتلالية لم تلتزم بالقرار الذي ستقدم اعتراضاً عليه في محاولة واضحة لنوايا مبيّتة بالاستيلاء على التجمّع البالغة مساحته 12 ألف دونم". ويشير الطل إلى شعور الأهالي بالخذلان نتيجة عدم تلقي أي دعم، لافتاً إلى أن "36 عائلة وأكثر من 400 مواطن تهجّرنا قسرياً ولم يتصل بنا أحد يدعمنا، ولم يتوفر لنا مكان يؤوينا، وصرنا في العراء نقيم وسط الأخطار على الأراضي التي تصنّف (ج) والتي قد يطردنا الاحتلال منها مجدداً في أية لحظة". وكان لافتاً أن مشهد تهجير التجمعات البدوية في الضفة لم يكن على يد قوات الاحتلال بدرجة أساسية، بل على يد الجماعات الاستيطانية الدينية كما يوضح المشرف العام لمنظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو، حسن مليحات.

حسن مليحات: المستوطنون الذين أجبروا تجمّعات الخليل البدوية على ترك أراضيهم يتبعون لمدارس دينية يهودية متطرفة

ويقول مليحات، خلال حديث مع "العربي الجديد"، إن "المستوطنين الذين أجبروا تجمّعات الخليل البدوية على ترك أراضيهم ومساكنهم، يتبعون لمدارس دينية يهودية متطرفة قائمة على فكرة قتل الأغيار، أي قتل كل ما هو فلسطيني". ويهدف الاحتلال من سياسة التهجير أخيراً إلى إعادة إنتاج مفهوم النكبة، لكن هذه المرة على حساب التجمعات البدوية الواقعة في مناطق "ج"، والتي يسيطر الاحتلال عليها. وبذلك تتعدى خطورة هذه الإجراءات ما كان ينويه الاحتلال في السابق من تطبيق "مشروع الضم"، إذ إن التهجير من شأنه أن يلغي الوجود البدوي الذي يتجه إلى هاوية الإجراءات الإسرائيلية المتمثلة بالتطهير العرقي والفصل العنصري.

 

المساهمون