عام على "غصن الزيتون" في عفرين

24 فبراير 2019
تشتهر عفرين بزيتونها وزيتها (عمر ألفين/ الأناضول)
+ الخط -

يشاهد من يتجول في شوارع مدينة عفرين السورية التنوّع الذي تجمعه هذه المدينة وكأنّها سورية مصغرة، وذلك بعد عام من سيطرة الجيش السوري الحرّ عليها

يختلط في مدينة عفرين، في محافظة حلب شمالي غرب سورية، مواطنون من مختلف المناطق، ففيها مهجّرون من حمص وريف دمشق والقلمون بالإضافة إلى سكان المدينة الأصليين، مع ما في ذلك من تنوع ثقافي يبدأ بالمطاعم وتسمياتها التي تدل على أصحابها، وصولاً إلى المتاجر. ولا تغيب المعارك عن البال، إذ ترك الرصاص آثاراً على جدران المدينة.

مضى عام على تحرير عفرين من قبضة المليشيات الكردية، بعد عملية "غصن الزيتون" التي جرت بالتنسيق بين الجيش التركي والجيش السوري الحر، التي أعلنت في الثاني والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2018، لتنتهي في مارس/ آذار من العام نفسه.




تتصدر عفرين بمدينتها وبلداتها المرتبة الأولى في سورية بعدد أشجار الزيتون، التي تقدر بنحو 22 مليون شجرة. المنطقة معروفة بأنها أرض الزيتون، الذي هو عصب الحياة فيها، ومصدر دخل سكانها الأساسي. عفرين منطقة جبلية تبلغ مساحتها نحو 3850 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل اثنين في المائة من مساحة سورية. وتضم عفرين نحو 350 قرية وبلدة صغيرة وكبيرة، أهمها عفرين المدينة التي يزيد عدد سكانها عن خمسين ألف نسمة، وجنديرس، وبلبلة، وشية، وراجو، وشرا. كذلك، تضم العديد من المواقع الأثرية مثل قلعة سمعان، وقلعة النبي هوري، وتل عين داره، والجسور الرومانية على نهر عفرين، وجسر هره دره الذي بنته ألمانيا قبيل الحرب العالمية الأولى. وتمرّ منها سكة حديد آتية من تركيا وتصل إلى مدينة حلب، وقد بنتها تركيا قبيل الحرب العالمية الأولى أيضاً.

القاضي أحمد المحمد، يوضح لـ"العربي الجديد" أنّ أموراً كثيرة قد اختلفت خلال فترة سيطرة الجيش السوري الحر على عفرين، ففي البداية كانت هناك تجاوزات من الفصائل بحق أهالي المنطقة، بالإضافة إلى حالة الخوف التي سادت خلال الأشهر الأولى بعد طرد الوحدات الانفصالية، ومن المؤكد أنه بعد عام اختلفت نظرة سكان المنطقة كثيراً، فالشعور بالأمان هو السائد حالياً، فضلاً عن تمكنهم من جني محاصيلهم. يتابع أنّ وجود كلّ من الشرطة العسكرية والشرطة المدنية كان سبباً رئيساً باطمئنان أهالي عفرين وعودة قسم كبير منهم إليها، ويمكن الحكم على عفرين بأنها ستكون المنطقة الأفضل بين المناطق المحررة، في الخدمات والبنى التحتية، من أفران وشبكات مياه ومستشفيات، مع الإشارة إلى أن فيها عدة مستشفيات، بالإضافة إلى سبع نقاط طبّية.

يسيطر الجيش السوري الحر على عفرين (سمير طاطين/ الأناضول) 











عن الأوجه السلبية، يوضح المحمد: "أحد أكثر الأمور سلبية في منطقة عفرين ككلّ هو تعدد السلطات، والفئوية الناشئة عن الفصائل، فكلّ فصيل يحاول فرض سلطته وأوامره بشكل مستقل، ولا سلطة مركزية يمكن الرجوع إليها، وإن خضعت للسلطة التركية التي تسعى لضبطها والحدّ من تجاوزاتها". يتابع: "نرجو في الفترة المقبلة أن تزداد فاعلية الشرطة المدنية والعسكرية، ويكون دور القضاء أكبر، فهو ينعكس إيجاباً على أهل عفرين والنازحين. كذلك، يجب إنهاء مضايقات الفصائل للأهالي نهائياً، وإن كانت المضايقات في الوقت الحالي محدودة. أتوقع أنّ الأفضل آتٍ، وخصوصاً مع الحركة التجارية ومشاريع البنى التحتية التي تشرف عليها تركيا، من شقّ الطرقات والتعليم وصولاً إلى الإغاثة والتنمية".

أبو فيصل، غادر عفرين منذ سيطرة الوحدات الانفصالية الكردية عليها إلى تركيا، حيث يقيم حالياً. يتحدث إلى "العربي الجديد" عن المشكلة التي تواجهه في الوقت الحالي: "منذ مدة، عادت أختي إلى منزلنا في بلدة جنديرس، لتجد أنّ أحد قادة الفصائل العسكرية في المنطقة قد استولى على المنزل واتخذه سكناً لعائلته. طلبنا منه المنزل كي تقيم فيه أختي، لكن بعد مدة من المناقشات أفرغ المنزل ليقيم فيه أحد عناصره. بقينا على هذه الحال أكثر من شهر نحاول أن نسترد المنزل، من دون جدوى. كانوا يردّون بأنّ أخي كان يعمل في صفوف الوحدات الانفصالية الكردية، مع العلم أنّ أخي نزح كالعديد من أهالي المنطقة مع بدء عملية غصن الزيتون ولا علاقة له مطلقاً بالوحدات الانفصالية، وهو يحاول العودة إلى البلدة لكن لم يتمكن من ذلك".

يتابع أبو فيصل: "منذ مدة علمت أنّ القضاء في عفرين يساهم بإعادة المنازل لأصحابها، وأخبرني أحد الأصدقاء بإجراء توكيل لأختي التي تقيم في جنديرس، فتتقدم بطلب إلى القضاء الذي يتكفل مع الشرطة العسكرية بإعادة المنزل إليها، وبالفعل جهزنا وكالة رسمية لأختي فتوجهت إلى محكمة المنطقة، ووعدونا بأن القضية ستحلّ بأسرع وقت ممكن، خصوصاً مع وجود أوراق رسمية مع أختي تثبت ملكية المنزل". يضيف: "أريد أن أشير إلى أنّ من يقيم في منزلنا طلب مبلغاً ضخماً لقاء الخروج منه وهو 30 ألف دولار أميركي، وهو ما لا يعقل".




يتجول الحاج إبراهيم (61 عاماً) في حقل الزيتون القريب من الحدود السورية التركية، في بلدة الشيخ حديد والفأس في يده، مرتدياً معطفه الشتوي الذي لم يبدله منذ سبعة أعوام. يتحدث إلى "العربي الجديد": "هذه الأشجار هي روحي وكلّ ما أملك في هذه الحياة بعد أولادي. أعرف أشجاري واحدة واحدة وقد كبرت معها. لم أتخيل أني سأهجر هذه الأرض، ولم أفعل، فمع بداية عملية غصن الزيتون بقيت في بيتي ولم يتعرض لي أحد، وكنت دائماً أقول إنّ الأرض أقوى مني ومن الجميع فلا تغادروها وتمسّكوا بها. من أتى هم أبناؤنا وليسوا قتلة كما كانوا يشيعون. كثير من الأصدقاء من حمص وريف دمشق زاروني بعد سنوات من الانقطاع، وهذه الأرض هي التي جمعتني بهم، كانوا إخوة وأصدقاء اعتادوا شراء الزيت مني كلّ عام، وصداقتنا تمتد سنوات. ربما حرمتهم الظروف من منازلهم لكنّ عفرين وأرضها منزل وأرض لهم أيضاً". يختم: "سأعيش بقية عمري بين هذه الأشجار ولن أخشى أحداً".