الدولة التي لم يُحسم فيها بعد موقع القانون من القرار، ولا دور السياسة في إدارة الخلاف، تظل عرضة للارتداد في كل مرة تواجه فيها توتراً اجتماعياً أو اقتصادياً.
لا تنهار الدولة التي تفقد قدرتها على ربط الحاضر بالمستقبل فوراً، لكنّها تدخل في مسار تآكلٍ صامت، فالدولة ليست لإدارة اليوم فقط، بل قدرة على إعطاء معنى للغد.
لا يكمن الخطر في نسيان الثورة، بل في تحويلها أداة حكم، لأن الدولة التي تحتكر الذاكرة وتعيد كتابة الثورة بما يخدم سلطتها لا تحمي الاستقرار، بل تؤجل الصدام.
تتجلى السلطة ما بعد السياسية في طريقة إدارة المجال العام، فبدل التفاوض مع الفاعلين أو الاستماع لمطالبهم، تتعامل السلطة معهم بوصفهم عناصر في معادلة رمزية.
لا ينهي اعتقال أحمد نجيب الشابي مساره السياسي، لكنه يختصر الصراع بين تصوّرَين لتونس؛ دولة تقوم على المؤسّسات، أو دولة تُدار من مركز واحد يحدّد مجال السياسة.
أي دولة تستخدم القضاء لتصفية خصومها تُعرّض مؤسّساتها للخطر، وأيّة سلطةً ترفض أي رقابة داخلية أو خارجية تفقد تدريجيّاً شرعيّتها. وهذا ما يحصل في تونس اليوم.
تتالت رسائل المعتقلين المضربين عن الطعام في سجون تونس، مؤكدين صمودهم وتمسّكهم بحقوقهم السياسية والمدنية. فيما لم يظهر خارجها صدى مماثلٌ لحجم التحرّك داخلها.
مع الحكم على شاب بالإعدام بسبب تدوينات فيسبوكية، تكون تونس قد وصلت إلى مفترق حاسم في مسار القطيعة مع التجربة الديمقراطية، وعشرية الحرية، والحقوق والحريات.