في البَدْءِ كان قميصكِ، وكانتِ الأشياءُ معكوسةً وكأنَّها خارجةٌ من مرآة، كانتِ المدينةُ تسيرُ مبتعدةً عن القطار، جسدُ المقاتلِ يطيرُ نحو الرصاصةِ، المدى ينظرُ من نافذةِ القطارِ نحو عيني، واللغةُ العربيةُ تحاولُ أنْ تقولَ شيئًا من اليسارِ لليمين.
حفر فيّ لغةٌ ليست واحدةً. فأجد هذا اللسان الإنكليزي الذي استعمله كل يوم مملاً في التركيب، حتى في الشِّعر. يَحِزُّ فيّ، يقطعني في منتصف الجملة، في منتصف العاطفة. لا أفهم هذا الصوت، أرتبك وأقول لنفسي: فلأتجاهل هذه الكلمات الخاويات وأمشي في الشارع.
بالأمس/صارت المخيلة أكثر فقراً/ وجائعة صارت تبكي، مثل كلبة صغيرة ظلت تركض وراءنا من زكريا إلى جبل الدهيشة/ كنتُ حاولتُ أن أقنعَ الكلبة الصغيرة بالعودة/ إلى البرية/ أو الذهاب شرقاً إلى البحر الميت/ كنت أريدها أن تموت/ دون أن أرى وجهها الحزين...
وحيدٌ كساعةِ حائطٍ تتوسّطُ الليل/ كمصباحٍ مشنوقٍ من السقف/ كمروحةٍ في الشتاء، كمدفأةٍ في الصيف/ كسلةِ مهملات في زاوية الغرفة / كسجادةٍ قديمة على عتبةِ البيت / كجَنينٍ في بطنِ الحياة / ككابوسٍ مفزع يتعقبُ الأحلام / ككلبِ حراسة مُقيّد.
إنها بيننا مثلُ قنابلَ موقوتة/هذه الأشجارُ في مدينتِنا/ صامتةٌ جداً/ كما لو أنها أقسَمَتْ على ذلك/ صامتةٌ جداً كما لو أنها في الحقيقةِ/ تمثِّل/ ومع ذلك أمشي أسفلَها باطمِئْنان/ في شارعِ المكتبة/ غارقة في أفكاري.
في مجموعته الشعرية السابعة الصادرة حديثاً في عمّان عن "خطوط وظلال للنشر والتوزيع"، وحملت عنوان "1/2 كيلو من السعادة"، يكتب الشاعر الفلسطيني الأردني المقيم في نيكاراغوا من مخيلة تكاد تكون لاتينية بغرائبيتها وهمومها.